أيام لها تاريخ مع الأستاذ هيكل => أخـبـــار الأسـتاذ        ماذا أقول => ركــــن الـمـقـالات        محمد حسنين هيكل - الحلقة الأولى - CBC-6-12-2012 => المكتبة المرئية        حريق أمريكي وعالمي => ركــــن الـمـقـالات        ســقـوط خـرافــة الاسـتـقـرار => ركــــن الـمـقـالات         هيكل: مبارك يعاند التاريخ => ركــــن الـمـقـالات        لقاء الأستاذ هيكل والأستاذ فهمي هويدي => المكتبة المرئية        الأستاذ محمد حسنين هيكل في العاشرة مساء - كاملا => المكتبة المرئية        هيكل الثورة مع محمود سعد علي المصرية => المكتبة المرئية        هيكل: نحن بحاجة إلى إعادة بناء الدولة => ركــــن الـمـقـالات        

ماذا أقول

عرض المقالة :ماذا أقول

  ...  

Share |

   

ركــــن الـمـقـالات

اسم المقالة : ماذا أقول
كاتب المقالة:
تاريخ الاضافة: 10/05/2013   الزوار: 2515

ماذا أقول؟

لا أعرف ما هو المنتظر منى فى هذا المكان... هذا الأسبوع إذا كان منتظراً منى أن أكتب قصة ما حدث خلاله، كيف حدث، ولماذا حدث، فأظننى سوف أكون خيبة أمل لتوقعات كثيرين!

لقد عشت ما حدث كله، من أول لحظة فيه، حتى هذه اللحظة، وما زلت عاجزاً عن تصور بعض ما رأيت وسمعت بعينى وأذنى. ولو أن الروايات عنه جاءتنى نقلاً وعنعنة، لرفضت أن أصدق، ولما استطاع أحد فى الدنيا إقناعى به.

والغريب أننى كنت آخر واحد يحق له أن يفاجأ، ذلك أننى تعرضت، منذ 28سبتمبر الماضى، وحتى 15مايوالأخير، إلى تجربة عنيفة، أرد نفسى عن الكلام فى تفاصيلها الآن.

كانت المحاولة معى، تستهدف إلى خنق صوتى، وإلى تشويه ما أقول، وإلى حصارى، ثم أسرى بعد ذلك، أو ما هو أشد من الأسر.

كانت الظروف قد أتاحت لى أن أعرف قسطاً أكبر من الحقيقة.

وكانت الحقيقة هى المستهدفة... والحق بعدها.

ولقد حاولت كل جهدى أن أقف، وأن لا ألتفت ورائى، رغم أننى كنت أعرف - وذلك أكدته الأدلة فيما بعد - أن كل شىء من حولى كان مراقباً... تليفونى، وبيتى، ومكتبى ومقابلاتى، وتحركاتى.

والغريب أننى كنت أحاول، مع ذلك كله، أن أقوم بدورى فى المسئولية الوطنية، فى ظرف يجعل من كل وطنى... مسئولاً مهما قلت حيلته وزاد عذابه.

كنت أحاول قدر ما أستطيع، أن لا تحدث فرقعة لا يفيد منها الوطن، وإنما يفيد منها أعداؤه، وكنت على اتصال بجميع أطراف الأزمة، التى كانت تغلى وتهدر فى أعماق مصر أيامها، أجرب مع غيرى - قدر ما نستطيع - لعلنا أن نجد للبخار المحبوس منفذاً إلى الهواء، وأن نجد للحمم الملتهبة طريقاً إلى البحر لكن كل ما حاولناه وجربناه راح عبثاً، وضاع هباءً، لأن النية كانت مبيتة، ولأن التدبير كان مصمماً على الانقضاض.

كان المطلب هو السلطة... كل السلطة.

ولا بأس بالسلطة إذا كانت مشروعة.

ومشروعية السلطة شيئان:

- أن تكون بالقانون.

- ثم أن تكون أداة لإحداث تغيير يدفع خطوة إلى الأمام.. سياسية أو اجتماعية.

إن طلب السلطة بغير القانون... إرهاب.

ثم إن السلطة حين لا تصبح أداة لإحداث التغيير.. كارثة، ذلك أنه حين تصبح السلطة هدفاً فى حد ذاتها، فإن الأمر يتحول إلى سيطرة تصل بأصحابها إلى طريق مسدود، إن السلطة طاقة، فإذا لم تستعمل الطاقة فى هدف نافع، فإن تراكم المخزون منها ينتهى بتفجير نفسه، وهو قادر بذلك على تدمير غيره.

تماماً كطاقة الكهرباء، حين تتحمل شبكة منها بما هو أكثر من طاقة احتمالها، ولا يكون هناك تصريف مستمر لها يحرك مراكز الإنتاج ويضىء مواقع الحياة.

ولقد عشت لحظة التفجير... ومن حسن الحظ أن التدمير لم يقع، وتلك شهادة تاريخية لأنور السادات، وشجاعته الأدبية والمادية، فى لحظات بالغة الصعوبة والخطر، كما أنها شهادة حضارية لشعب مصر الذى استوعب كل ما جرى وسار عليه، وانتصر بغير طلقة رصاص واحدة وبغير نقطة دم واحدة، وفى غير مصر، فإن ما حدث كان يمكن له أن يتحول إلى حريق وإلى حمام دم!

ولقد كنت أول من دعاه الرئيس أنور السادات إلى بيته صباح يوم الأربعاء 12 مايو.

ولم يستدعنى الرئيس بالتليفون، كما تعود أن يفعل ولكنه بعث إلى بكريمته تدق باب بيتى فى الصباح الباكر، وتقول أن والدها يريدنى للقائه فوراً.

لم يكن رئيس الجمهورية واثقاً أنه يستطيع الحديث بأمان فى التليفون مع صديق يدعوه إلى بيته.

وأحسست بأن شيئاً وقع... أو هو على وشك أن يقع، خصوصاً وقد كنت على وعى بأن العاصفة تتجمع، وأنها على وشك الهبوب كرياح الخماسين المقبضة والخانقة والمظلمة.

وذهبت إلى بيت أنور السادات فى تلك الساعة من الصباح الباكر، وإذا بى أسمع القصة المذهلة لزائره المجهول فى الليل، حامل الأشرطة، من غرفة التسجيلات فى وزارة الداخلية..

واستمعت، واستمعت، واستمعت، حتى أصبت بالغثيان!

كان يجب أن لا أفاجأ... ومع ذلك فوجئت ليس إلى هذه الدرجة... وليس بهذا الثمن!

تلك كلها فى الأعماق كانت صرخات أسى، لكنها الآن بلا فائدة، لا تدفع شراً، ولا تقى من خطر.

ولم يهتز أنور السادات كقائد، ولكنه كان متأثراً كإنسان، وكان قوله فى تلك اللحظات، وهو بعد على مقعده الذى استمع فيه إلى القصة المذهلة، التى تتحدث بها الشرائط المسجلة، التى جاءته بالصدفة المحضة، وبوازع الضمير وحده، فى قلب إنسان وطنى، أحس فى موقعه أنه مسئول.

كان فى مقعده لم يبرحه منذ ساعات... مضى الليل، وطلع الفجر، وظهر الصبح، وهو جالس يتأمل ويفكر.

وكان قوله وأنا جالس أمامه:

- "إنك تعرف كل ما فعلت معهم.

لقد أعطيتهم ثقتى، ولم أسمع فيهم أحداً، وتركت لهم الفرصة كاملة، وكنت أحاول تقديمهم للصدارة، فى إطار الشرعية، لكى يكبروا بطريقة طبيعية.

لقد جاء البعض ولامنى لأنى تركت فى يدهم كل مفاتيح القوة:

وزارة الحربية، وزارة الداخلية، وزارة شئون رياسة الجمهورية، وزارة الإعلام، المخابرات العامة، التنظيم السياسى.

كل شىء كان فى يدهم.

لقد قلت للذين لامونى:

إننى لا أبدأ بتخوين أحد... وأنا أعطى ثقتى كاملة، أو أسحبها كاملة.

كانوا فى خدمة جمال عبد الناصر، وكان ذلك يكفينى، رغم علمى برأيه فى بعض تصرفاتهم، لكنه كان دائماً يضعهم فى حجم معين لا يتجاوزونه.

كانوا فى خدمة جمال عبد الناصر، وأردتهم للاستمرار على طريقه.

وكانوا فى حياته مجرد أدوات وإن كانوا فى فترة انشغاله بالمعركة، وفى ظروف مرضه، قد تجاوزوا دور مجرد الأدوات.

قلت:

ليكن... سوف أفتح صفحة جديدة، وسوف أعطيهم الثقة والفرصة، لكى يتقدموا، ويثبتوا أنفسهم أمام الناس".

واستطرد الرئيس السادات، وأنا جالس أمامه صامت بالكلمات، ممزق بالانفعالات:

- "أنت كنت تتابع ما يجرى، وأنت حضرت موضوع الاتحاد بين مصر وليبيا وسوريا منذ بدايته مع جمال عبد الناصر، ولقد جئت بوثائقك معك فى اجتماع اللجنة التنفيذية العليا، وحاولت أن تشرح أمامهم وقائع التاريخ، ولكنهم لم يسمعوك.

إن الموضوع لم يكن موضوع الاتحاد.

إن الاتحاد كان مجرد فرصة أرادوا انتهازها لصراع السلطة ولفرض الوصاية، وللاستبداد بمصير الوطن.

جاءوا إلى اللجنة المركزية بربطة الرفض أولاً... ثم جاءوا بعد ذلك بربطة القبول بغير مناقشة، وكان الهدف مجرد استعراض قوة.

لماذا؟.. ومن أجل ماذا؟

قلت لهم:

إننى سأذهب إلى الشعب مباشرةً وأحتكم إليه..

وهذه الأشرطة أمامنا، تروى كيف حوصرت الإذاعة، وكيف رتبت أمورها من الخارج والداخل، لمنعى من الوصول إلى حيث أستطيع أن أتحدث إلى الشعب".
واستطرد الرئيس السادات:

- "تذكر أنك جئتنى مرة وأنا فى القناطر، وسألتنى متحيراً:

على أى شىء أقيم حساباتى فى الموقف المبدئى الذى قررته لنفسى.

قلت لى يومها:

إن بينهم وزير الحربية، وبينهم وزير الداخلية، وبينهم وزير شئون رياسة الجمهورية، وبينهم وزير الإرشاد، وبينهم مدير المخابرات العامة، وبينهم القائمون على شئون التنظيم.

يومها سألنى:

- "من معك أنت، وعلى أى أساس تجرى حساباتك فيما يدفعون إليه من مواجهة".

يومها قلت لك:

- "معى الله، ومعى الشعب".

إننى أحسست يومها أنك نظرت إلى بدهشة، مع أنك حاولت أن تخفيها، ولعلك لولا الحياء، كنت على وشك أن تسألنى:

- "أليس هناك شىء آخر؟".

إننى أحسست بدهشتك، ولعلك تذكر أننى قلت لك:

- "ليس معى شىء آخر... وما معى يكفى، وكنت أدعو من قلبى أن تعود العقول إلى الرءوس".

واستطرد الرئيس أنور السادات:

"هل تذكر مرة أخرى تحدثت إليك بالتليفون فى بيتك، وأنا أعلم أن تليفونك وتليفونى تحت الرقابة، وقلت لك وقصدت أن يسمعوا وأن يعرفوا وأن يتدبروا:

- إن آخر وصية تركها لى جمال عبد الناصر هى قوله مرة قبل رحيله بأسابيع قليلة وكان قوله مفاجأة لم أتوقعها:

"أنور... كل ما أخشاه أن يجىء بعدى من يذل هذا الشعب، إن هناك تركيزاً فى السلطة فرضته ظروف الحرب وظروف التطور، وكان أملى بعد بيان 30 مارس أن تتغير الأوضاع..

ولكن الأحوال يومها لم تهيئ لى ما كنت أتمنى.. كنا خارجين من أزمة سلطة فى أعقاب حرب سنة 1967 وما كشفت بعدها من مخبآت ولم يكن فى وسعى أن أمشى الشوط كله وإلا لأحدثت فى البلد هزة كبيرة فى أيام عصيبة..

وعلى أى حال، فإننى قلت لنفسى بعد الحرب لابد من ثورة ثقافية عميقة فى مصر وقد لا أعيش حتى أرى هذا اليوم ولكن وصيتى لك أن لا تجعل أحداً يذل هذا البلد".

يومها قلت لجمال عبد الناصر:

- كيف تقول لى هذا الكلام... إنك سوف تعيش بإذن الله بعدى وسوف تضعنى بيدك فى قبرى وترعى أولادى بعدى وأنا لهذا مطمئن مستريح... ثم إنك سوف تفعل كل ما تشعر أنه واجب عليك أن تفعله".

والغريب بعد ذلك أن جمال عبد الناصر لم يسكت وإنما عاد يقول:

- لا أريد لأحد أن يذل هذا البلد من بعدى... هذا ما يؤرقنى".

واستطرد أنور السادات وهو يتنهد من أعماق الأعماق:

"قلت لك فى التليفون يومها بعد أن رويت لك حديث عبد الناصر أو قصته إنهم برغم كل ما أعطيت وتركت لهم ما يريدون أن يكونوا ولاة يتصرفون فى كل الأقدار وهذا ما لن أسمح به.

وهم يجيئون إلى بما يريدون محاولة فرضه، ويلوحون من طرف خفى بوزير الحربية وبالتنظيم السياسى.

- إنهم يعرضون ما يطلبون ثم يضيفون إليه:

- وهذه تقارير التنظيم السياسى تؤيده، وهذه تقارير المباحث والمخابرات.

وعندما أقول لهم:

- إننى أعرف هذه الطريقة ولن أقبل الرضوخ لها!".

... كانوا يضيفون:

- اسأل وزير الحربية!".

وأقول لهم:

- وما شأن وزير الحربية فى هذا الذى نتكلم فيه".

ويقولون:

- يستحسن أيضاً أن تأخذ رأيه".

وقلت لهم:

- اسمعوا إن فى يدى شيئاً واحداً ولن أتردد فى استعماله... إن لدى الشجاعة أن أقف أمام الملأ وأقول بأعلى صوت أننى لا أريد أن أكون رئيساً لهذا البلد وفق شروط يمليها من يدعون أنهم ولاة الأمر على.

إننى أعمل بضميرى ولن أعمل بإملاء أحد على.

وأقوى سلاح أملكه فى يدى أننى لا أتمسك بأن أظل رئيساً، إننى لم أسع لهذا المنصب ولا حلمت به ولا أردته وإذا كانت الأقدار قد وضعتنى على هذا المقعد، فإننى أملك فى أى وقت أن أقوم منه وأصارح الناس بكل ما أشعر به... وأترك لهم الخيار أن يتصرفوا وفق ما يريدون".

وكان أنور السادات ما زال يتحدث حينما جاءه من يقول له إن وزير الحربية جاء لكى يرافقه إلى زيارة للقوات المسلحة، ووقفت معه وهو يرتدى ملابسه استعداداً لرحلة بالهليكوبتر إلى الجبهة.

وذهب إلى هناك وسمعت قبل أن يعود إلى القاهرة أنه تحدث أمام قيادات الجيش عن إصراره على تصفية كل مراكز القوة وأن رد الفعل لدى كل الذين سمعوه كان حماسياً ومؤيداً.

وعاد أنور السادات من المواقع الأمامية.

ولقيته بعد عودته ثم ظللت على اتصال به حتى رأيته خلال الساعة الحاسمة فى تاريخ مصر الحديث، ما بين الحادية عشرة من مساء يوم الخميس إلى الساعة الثانية عشرة، وبعدها إلى الصباح.

كانت الاستقالات الجماعية قد أعلنت فى الإذاعة قبل أن تصل إليه بهدف إحداث انهيار دستورى..

وكانت الأوامر قد صدرت إلى بعض عناصر التنظيم السرى أن تخرج إلى الشارع...

وكان تصور وزير الحربية السابق أنه فى هذه الحالة يستطيع أن يتذرع بانفجار فى الجبهة الداخلية.

كان أنور السادات فى هذه الساعة الحاسمة من التاريخ هائلاً بأكثر مما يستطيع أن يتصور أو يصف أحد.

كانت قراراته لمواجهة التطورات المفاجئة... مزيجاً مدهشاً من الهدوء والحسم.

ولم يكن فى تلك اللحظات يعرف بتفاصيل المشهد التاريخى العظيم فى مكتب وزير الحربية السابق، الذى كان قد خرج قبل إذاعة الاستقالات من بيت وزير الداخلية السابق - الذى التقى فيه كل الذين رتبوا للانهيار الدستورى المتصور، وكل الذين أمروا بخروج التنظيم السرى الموهوم إلى الشارع - ثم توجه إلى مكتبه فى وزارة الحربية يحاول أن يقول:

- إن الرئيس أقال وزير الداخلية، وإنه يريد إجراء انتخابات جديدة للاتحاد الاشتراكى وإننى قررت الاستقالة تضامناً مع كثيرين وأن هذا أمر لا يمكن السكوت عليه، لأن الفوضى ستحل!".

إن كل الذين سمعوه، وبغير استثناء، أحسوا أن المسألة لا تخصهم وقيل له صراحة:

- إن ذلك كله فى صميم اختصاص السلطة السياسية ولقد علمنا جمال عبد الناصر ونحن نؤمن بما علمنا أننا يجب أن نظل بعيداً... إننا نلتفت إلى صراع واحد هو صراعنا مع إسرائيل، وأما أى صراع آخر فهو مسألة تختلف".
وسمع الفريق صادق بما يجرى فأسرع إلى مكتب وزير الحربية وقال له:

سيادة الفريق... إنك قدمت استقالتك وهذا حقك، لكنه بعدها لا يجوز لك أن تبقى هنا فى هذا المكتب، كما أنه لا يحق لك أن تقول ما تحاول أن تقوله الآن.

سيادة الفريق، إن هناك وطناً، وهذا الوطن له مصلحة عليا أقسمنا على الولاء لها وما تحاوله الآن تناقض مع كل ما بناه جمال عبد الناصر".

كانت لحظة حاسمة فى تاريخ مصر... وكانت لحظة رائعة ونبيلة.

وكانت الحوادث تجرى والتطورات تتدافع وكنت طوال الوقت فى عين العاصفة كما يقولون.

ولست أعرف ماذا أروى اليوم وماذا أدع، وإن كنت مؤمناً على أى حال أن الوقت ليس وقت الروايات والحكايات... تلك لها مواقيتها ولها ترتيبها فى سياق القصة الكاملة لما حدث.. لكننى فى هذا الحديث أوثر أن أتطلع إلى الأمام ولا ألتفت إلى الوراء.

ويخطر ببالى أننى أريد أن أترك كل الروايات والحكايات مما مضى، إلى ما هو أهم منها وما أبقى لأنه يخص المستقبل ويؤثر عليه.

تلح على الآن مجموعة من الخواطر المتدافعة وسط الحوادث المتدفقة كأنها سيل سقطت من أمامه كل الحواجز والسدود مجموعة من الخواطر تلمع وسط السيل الرمادى المتدفق. أريد أن أقول ما يلى:

* أولاً - أريد أن أقول:

الحمد لله أن ذلك حدث قبل القرار ببدء المعركة.

إن الذين رتبوا ما رتبوا وبيتوا ما بيتوا، كانوا فى قلب المجلس الذى كان فى يده قرار السلام والحرب.

ولقد فعلوا ما فعلوا وفق مخطط تصوروه والدليل الظاهر عليه - بصرف النظر عن الأدلة المتكشفة الآن - هو إعلان الاستقالات من الإذاعة قبل وصولها لرئيس الجمهورية.

من المؤكد أن ذلك التصرف تخطيط مقصود.

بداية أريد لها أن تحدث أثراً سواء كان هذا الأثر عفوياً برد الفعل، أو مدبراً بالفعل.

معنى ذلك أنهم قدروا شيئاً أو خططوا شيئاً.

ولكن الحوادث بعد ذلك أثبتت أنه كان كله على خطأ.

التقدير... والتخطيط كلاهما!

فما هو معنى ذلك؟

معناه أن هؤلاء جميعاً لم يكونوا على مستوى يسمح لهم أن يقدروا بحساب وأن يخططوا بكفاءة فى أوامر تتعلق بهم وبأنفسهم وبمستقبلهم..

فكيف كان يمكن أن يقدروا أو يخططوا لغيرهم؟

إننى هنا لا أريد أن أتهم..

لا أدين أحداً ولا أبرئ أحداً فتلك سلطة آخرين.

ولكننى أركز على نقطة واحدة هى مقدرة هؤلاء الذين تصرفوا - على التقدير السليم والتخطيط السليم.

وكانوا فى موقع القرار على أعلى المستويات يقررون السلم أو الحرب، مصير ومستقبل شعب وأمة بأسرها...

العقل يعجز أحياناً عن التصور!

فيما ظهر من أدلة مسجلة - لأن بعضهم كان قد نسى فى زحمة الحوادث أنه يسجل لغيره حركاته وسكناته يظهر بوضوح ما يلى:

1 - إنهم قدروا وخططوا أن الاستقالات سوف تكون صاعقة تشل حركة أنور السادات وتعجزه عن التفكير وعن الحركة ومن ثم فإنه سيرضخ.

[لم يحدث.. وحدث العكس!].

2 - إنهم قدروا وخططوا خروج ألوف من التنظيم السرى يقودون مئات الألوف من الجماهير تطالب بعودتهم.

[لم يحدث ذلك.. وحدث العكس!].

3 - إنهم قدروا وخططوا تحركات بعد ذلك تجرى تحت حجة مواجهة خطر التداعى فى الجبهة الداخلية.

[لم يحدث.. وحدث العكس!].

كيف إذن؟

كيف كان المصير معلقاً على هذا النحو فى قبضةٍ مليئة بالعنف ورأسٍ ملىء بالظلام... قوة مطلقة وجهل مطبق!

* ثانياً - أريد أن أقول:

إننا لا يجب أن ننشغل كثيراً بما جرى وأهم منه الآن أن نلتفت إلى المعركة فهى الأصل والأساس وهى الهدف والأمل..

بعض أرضنا محتل.

والعدو - كما قلت وأقول - لن يتراجع عن هذه الأرض إلا إذا أرغمناه على ذلك.

ونحن نتحدث مع العالم الخارجى كله بغير حرج.. ولكننا نتمسك بحقنا كاملاً فى غير مساومة.

وليس هناك من يستطيع إرغام العدو على التراجع إلا قدرتنا وحدها.

والولايات المتحدة الأمريكية وهى القوة الدولية الوحيدة التى تمتلك نظرياً أسباباً للضغط على إسرائيل، لا تريد ولا تستطيع وحتى على فرض أنها تريد فإنها تريد حلاً أمريكياً للأزمة وهذا مرفوض.

وبصرف النظر عن ما تريد أولا تريد فهى فى الظروف الراهنة لا تستطيع أن تفرض على إسرائيل فك قبضتها عن الأرض المحتلة.

وعلينا نحن أن نفك هذه القبضة وأن نقطع اليد كلها إذا استطعنا.

والرأى العام العالمى كله معنا.

لكن التاريخ والأمر الواقع يعلمنا أن لا حق بغير القوة.

وعلينا - كما قلت - أن نهيئ المسرح تهيئةً سياسيةً كاملةً لنضالنا على أرض المعركة...

معركة قلت وأقول أنه لا بديل لها ولا مناص منها مع إسرائيل.

* ثالثاً - أريد أن أقول:

إن الاتحاد السوفيتى كان ولا يزال وسوف يظل أكبر العوامل الإيجابية فى الموقف.

إن الاتحاد السوفيتى هو الذى أعطى التوازن لقوتنا السياسية.

كما أن الاتحاد السوفيتى هو المصدر والدعم الوحيد لقواتنا العسكرية.

وأقول بأمانة واضحة أنه لولا الاتحاد السوفيتى لما كان أمامنا خيار غير القبول بشروط المنتصرين كما حدث سنة 1948.

وقيمة الصداقة العربية السوفيتية أنها ليست صداقة ظروف، أى أنها ليست صداقة تكتيكية، وإنما هى - كما كان يقول جمال عبد الناصر - صداقة نضال ضمن الجبهة العالمية المعادية للاستعمار... نضال من أجل الحرية والتقدم.

أكثر من ذلك فيجب أن نفهم شيئاً أساسياً هو أنه إذا كانت الولايات المتحدة قد سعت إلينا تطلب منا أن نجربها ولو مرة أخيرة، فإن السبب الحقيقى وراء ذلك هو تصاعد المساعدات السوفيتية ولولا ذلك ما تحركت الولايات المتحدة ولتركت لإسرائيل كل الوقت حتى تستوى الثمار على الشجر وتسقط على الأرض.

وإنصافاً للاتحاد السوفيتى فإن تعامله مع جمال عبد الناصر ومع أنور السادات بعده كان بأسلوب الشرفاء.

ومن التجنى أن يقال - كما تقول الآن صحف الغرب - أنه كان للاتحاد السوفيتى فى مصر حفنة من الأصدقاء.

ومن الحق أن يقال أنه لا يمكن أن يكون هناك مصرى يحترم مصريته أو عربى يحترم عروبته إلا ووجد نفسه صديقاً للاتحاد السوفيتى.
 رابعاً - أريد أن أقول:

إن خطنا الفكرى والاجتماعى يجب أن يكون فى منتهى الوضوح والحسم.

لقد كان هناك عدوان على الحرية السياسية للمواطنين.

ولكن تصحيح العدوان على الحرية السياسية للمواطنين يجب أن يكون فى إطار الحرية الاجتماعية لهؤلاء المواطنين.

ومن الطبيعى أن يحاول بعض خصوم الاشتراكية أن يتسللوا للنيل منها تحت رداء الحرية وهذا خطر لا بد أن نتنبه إليه.

ولعلى أتفق أكثر مع أنور السادات فى تركيزه على جماهير 9 و10يونيو1967.

كانت هذه منذ البداية جماهير انتصار السويس سنة 1956.

وكانت هذه جماهير تحقيق الوحدة الأولى سنة 1958.

وكانت هذه جماهير يوليو1961 وقراراته الاشتراكية المجيدة.

كانت هذه جماهير تحالف الشعب العامل صاحبة التجربة المصرية كلها.

كانت هذه جماهير الميثاق، قوى الحرية والاشتراكية والوحدة..

كانت هذه هى جماهير رفض الهزيمة.

وكانت هذه هى جماهير إرادة التصحيح فى المجتمع المصرى.

وكانت هذه جماهير بيان 30 مارس.

وخروج هذه القوى يوم 15 مايو الأخير هو حركة تصحيح.

إننا لسنا أمام بداية جديدة وإنما نحن على طريق الاستمرار - وإلا وجدنا أنفسنا نقع فى شرك ينصبه أعداء الثورة السياسية والثورة الاجتماعية.

إن الاستمرار القادر هو ذلك الذى يستطيع دواماً تصحيح المسار وتجاوز أى انحرافات عليه وتقويم كل اعوجاج.

* خامساً - أريد أن أقول:

إننا يجب ونحن بصدد نظرة فاحصة دارسة على حياتنا السياسية أن نضع من الموازين والضوابط ما يحول مستقبلاً دون ظهور مراكز جديدة للقوة.

إن مراكز القوة قبل سنة 1967 قادت هذا الوطن إلى 5 يونيو من ذلك العام الكئيب.

ومراكز القوة التى ضربت بيان 30 مارس كانت على وشك أن تقود هذا الوطن إلى كارثة مشابهة أخرى.

وفى ظنى أن سبيلنا الوحيد إلى ما نريد هو مجتمع مفتوح.. مجتمع لا يتعامل مع قوى خفية.. فلقد ثبت بأكثر من تجربة أن القوى الخفية هى صانعة الخوف، والخوف هو صانع الطغاة، والطغاة مهما كانوا صناع هزائم لأن الهزيمة تبدأ فى المشاعر قبل أن تعكس نفسها على التصرفات.

* سادساً - أريد أن أقول أخيراً:

إن ما حدث فى الأسبوع الماضى ليس أول قصة من نوعها فى تاريخ مصر.

للقصة سوابق فى تاريخ مصر.. حتى منذ قرون، ولقد قلت ذلك لأنور السادات.

قلت له:

- لقد رحل فجأة أمير عظيم أعطى وطنه أملاً وكرامة، وبعد رحيله فإن بعض حجاب القصر الذين كانت فى يدهم مفاتيح الأبواب تصوروا لبعض الوقت أنهم ورثته وتصرفوا على هذا الأساس".

ولعلى أقدم الاعتذار قبل أن أقول أننى رأيت هذا الخطر مبكراً ونبهت إليه كتابة.

لقد كتبت مقالاً فى هذا المكان يوم 6 نوفمبر 1970 تحت عنوان "جمال عبد الناصر ليس أسطورة" وكان ذلك فى مناسبة يوم الأربعين على وفاته.

وكان بين ما قلته فى هذا المقال بالحرف ما يلى:

"إن جمال عبد الناصر ليس له خلفاء ولا صحابة، يتقدمون باسمه أو يفسرون نيابة عنه.

لقد كان له زملاء وأصدقاء، وقيمة ما تعلموه عنه مرهونةً بما يظهر من تصرفاتهم على أن تكون محسوبة عليهم، دون أن يرتد حسابهم عليه.

إن خلفاء جمال عبد الناصر وصحابته الحقيقيين هم كل الشعب، وليسوا بعض الأفراد وهم كل قوى التطور والتقدم، وليسوا بعض المجموعات، وهم كل المستعدين لأن يعطوا باسم عبد الناصر، وليسوا كل الذين يمكن أن يأخذوا باسمه.

وأكاد أقول أن تأثير جمال عبد الناصر فيمن لا يعرفهم شخصياً، أعمق منه فيمن عرفهم شخصياً، ذلك لأن الذين لم يعرفهم كان استيعابهم لفكره خالصاً، وأما الذين عرفهم، فإن استيعابهم لفكره ربما كان مشوباً - فى بعض الأوقات وفى بعض الظروف - بمطامعهم الذاتية، وهذا مفهوم، لأن الطبيعة البشرية لها أحوالها ونزعاتها.

ولقد يستطيع زملاء وأصدقاء جمال عبد الناصر أن يرووا عنه، ولكن ذلك كله يدخل من باب التاريخ، دون أن يكون جوازاً إلى باب المستقبل.

وأريد أن أكون واضحاً.

إننى مع الذين يؤمنون بأن علم التاريخ هو علم فهم المستقبل، باعتبار أن التاريخ هو وعاء التجربة الإنسانية.

ولكن هناك فارقاً كبيراً بين حالتين:

- حالة التاريخ كعلم لفهم المستقبل.

- وحالة التاريخ كفن للتحكم فى المستقبل!

الحالة الأولى مقبولة، بل ومطلوبة، على أن لا تكون امتيازاً لأحد، وإنما يشارك فيها كل الذين رأوا منه وسمعوا عنه، حتى ولو كان لقاؤهم معه دقائق وثوانى.

والحالة الثانية غير مقبولة، بل وهى مرفوضة لأنها تحمل شبهة تحويل ذكرى جمال عبد الناصر إلى كهنوت، والكهنوت له كهنة، والكهنة لهم حجاب، والحجاب لهم حراس، والحراس وراء أسوار، والشعب خارج الأسوار ينتظر الوحى... وهذا كله أبعد الأشياء عن جمال عبد الناصر وشخصيته وطبيعته ثم هو أكثر ما يكون تصادماً مع معتقداته الأساسية".

ولقد جر على هذا المقال - فى وقته - متاعب لا عد لها ولا حصر.

لكنى رأيت الخطر بحكم قربى من الحوادث ورأيت واجباً أن أنبه إليه مهما كان أو يكن.

.........

ماذا أقول؟

هذا بعض ما أردت قوله بسرعة.

ولعلى لا أكون أخطأت كثيراً... أو تجاوزت إلى بعيد...

محمد حسنين هيكل
21-5-1971

طباعة

<جديد قسم < ركــــن الـمـقـالات

حريق أمريكي وعالمي
ســقـوط خـرافــة الاسـتـقـرار
هيكل: مبارك يعاند التاريخ
هيكل: نحن بحاجة إلى إعادة بناء الدولة
أقباط مصر ليسوا أقلية وإنما جزء من الكتلة الحضارية للشعب المصرى
محمد رضا بهلوى: عرش الطاووس.. وكل الدروس المنسية!
المقال السادس» عهد التفويض المفتوح لأي رئيس في مصر
«المقال الخامس» العالم الذي نعيش فيه وقواه - وصراعاته!
الرهان على مبارك


التعليقات : 0 تعليق
« إضافة تعليق المقالة »

...
...

...

القائمة الرئيسية

خدمات ومعلومات

الحقوق محفوظة لموقع محبي الأستاذ هيكل