أيام لها تاريخ مع الأستاذ هيكل => أخـبـــار الأسـتاذ        ماذا أقول => ركــــن الـمـقـالات        محمد حسنين هيكل - الحلقة الأولى - CBC-6-12-2012 => المكتبة المرئية        حريق أمريكي وعالمي => ركــــن الـمـقـالات        ســقـوط خـرافــة الاسـتـقـرار => ركــــن الـمـقـالات         هيكل: مبارك يعاند التاريخ => ركــــن الـمـقـالات        لقاء الأستاذ هيكل والأستاذ فهمي هويدي => المكتبة المرئية        الأستاذ محمد حسنين هيكل في العاشرة مساء - كاملا => المكتبة المرئية        هيكل الثورة مع محمود سعد علي المصرية => المكتبة المرئية        هيكل: نحن بحاجة إلى إعادة بناء الدولة => ركــــن الـمـقـالات        

حريق أمريكي وعالمي

عرض المقالة :حريق أمريكي وعالمي

  ...  

Share |

   

ركــــن الـمـقـالات

اسم المقالة : حريق أمريكي وعالمي
كاتب المقالة: محمد حسنين هيكل
تاريخ الاضافة: 11/09/2012   الزوار: 2049

1ـ الكل يعرفون لكن المفاجأة تقع:
لعدة ساعات بعد صواعق النار والدمار التي انقضت على نيويورك وواشنطن صباح يوم الثلاثاء 11 سبتمبر 2001 ـ ظهر الرئيس الأمريكي مأخوذاً بالصدمة ومذهولاً حتى تمالك نفسه ـ بعد ساعات ـ ليصف ما جرى بأنه "إعلان حرب على الولايات المتحدة الأمريكية".
ولم يكن هناك عذر لـ "جورج بوش" إلا أن يقال "إنه كان رجلاً لم يتابع أو لم يستوعب "موضوعاً" عرض عليه ونوقش أمامه يخص أمن الولايات المتحدة ومصلحتها". ثم إن "الموضوع" لم يعرض ولم يناقش فقط ـ وإنما طرحت في شأنه إستراتيجيات وسياسات تحدد وسائل مواجهته والتعامل معه عندما يجيءـ وكان الراجح لدى الجميع أنه سوي يجيء لأنه "شكل التحدي القادم" وفق كل التقديرات لحسابات المستقبل عن الأمن والمصلحة.
وعندما استفاق "جورج بوش" من الصدمة والذهول ثم وصف ما جرى بأنه "إعلان حرب" وأجرى تصرفاته على هذا الأساس. فقد كان الرئيس الأمريكي قائداً خسر معركة توقعها، وأعد نفسه لها، واتخذ من الإجراءات ما هو كفيل بمواجهتها ونتيجة قصوره أو نسيانه في اللحظة الحاسمة جاءت خسائره مروعة: فقدت الولايات المتحدة الأمريكية آلافاً من مواطنيها، وأهدرت عشرات البلايين من ثروتها، وضيعت جزءاً كبيراً من كبريائها وهيبتها، وتلك بالنسبة لقوة عظمى في زمانها كارثة بغير حدود، وخصوصاً أنها القوة الأعظم الفريدة في زمانها والمتفردة بالسيطرة على نظام العالم ـ أو المصممة على هذا التفرد.
 والواقع أن الرئيس الأمريكي في تلك اللحظة الرهيبة من حياة شعبه ظل عشر ساعات كاملة "من (العاشرة صباحاً حتى الثامنة مساءً") بعيداً عن مكتبه ومركز قيادته راكباً طائرة هائمة في الأجواء، متردداً بين المطارات المدنية والعسكرية، عاجزاً عن حزم أمره. ولم تبق أحواله في هذه الساعات الحرجة سراً، لأن طائرته التي كان يستقلها من فلوريدا كان عليها مجموعة من صحفيي "القرعة" "اختيار من يرافق الرئيس من ممثلي الإعلام الذين يتعهدون بإتاحة ما لديهم لزملائهم لتظل الفرصة مفتوحة للكل سفرة بعد سفرة على طائرة الرئاسة" ـ ومع أن هؤلاء الصحفيين تعهدوا بألا يكتبوا حتى لا يتعرضوا للحرمان من فرصهم إذا حل عليهم النصيب ـ فإن رواياتهم الآن متداولة بالتفصيل داخل قاعات التحرير في فضائيات وصحف نيويورك بالذات، وبين الروايات أن الرئيس "بوش" تلقى ما سمع وانتابته حالة من عدم التصديق تعثر معها لسانه وشحب وجهه، بينما هو وسط جمع من أطفال مدرسة كان يزورها في فلوريدا.
وضاعف من اضطراب الرئيس أنه في تلك اللحظة تلقى أنباء تقول أنه شخصياً مطلوب ومهدد، وأن إحدى الطائرات "القذائف" تبحث عنه، و"تحول الرجل الذي يملك وحده مفتاح القوة النووية الأمريكية في ثانية من رئيس "للعالم" إلى أسير في عهدة حرسه الخاص". فقد صمم الحرس ألا يعود الرئيس إلى واشنطن إلا بعد أن ينجلي الموقف وتنطفئ آخر إشارة حمراء فوق العاصمة. ولأنه لم يكن ممكناً أن يتوقف الرئيس في فلوريدا ـ ويبين تردده ـ فإن الطائرة قامت من "فلوريدا" قاصدة "لويزيانا" كأنها نزهة في الأجواء رغم أن أربع طائرات مقاتلة صعدت وراءها إلى الجو لحراستها. واتصل "ديك تشيني" برئيسه المعلق بين السماء والأرض فإذا الرئيس يعتذر لنائبه بأنه يريد المجيء بأقصى سرعة إلى واشنطن لكن "هؤلاء الرجال" يمنعونه بداعي الحرص على الولايات المتحدة أولاً وليس على شخصه فحسب. ويرد "ديك تشيني": إنه إذا كان قرار الرئيس أن لا يجيء على الفور إلى واشنطن فقد يكون المناسب أن يذهب إلى قيادة القوات الجوية في "نبراسكا"، فهناك مقر قيادة احتياطي رئاسي، ووجود الرئيس فيه الآن يبدو اختيارا لأقرب مقر قيادة من مكان وجوده. وتتوجه طائرة "جورج بوش" إلى "نبراسكا" ويتصل به كثيرون من أركان حكمه وقادة حزبه يزعجهم تأخيره وهو يتعلل بالخطر والحرس، حتى كلمته والدته السيدة "بربارا بوش" تقول له ما معناه أن "كل امرأة في أمريكا: زوجة وأما وأختاً وبنتا يطمئنها أن تجد الرجل المسئول عن كل الرجال والنساء على الوطن في مكتبه يؤدي واجبه.
وهي كأم لرئيس وزوجة لأب سبق الابن في الرئاسة تفضل أن تراه تحت الخطر في هذه اللحظة بأكثر مما تريد أن تراه بعيداً عن قيادته!"
واستطاع حزم "الأم" أن يهزم حرس الرئيس.
                                               **
وهكذا عاد "جورج بوش" من غيبته الجودية! إلى مقر قيادته في البيت الأبيض. وخلال الأربع والعشرين ساعة التالية نزلت دموعه أمام كل الناس وعلى شاشات التليفزيون خمس مرات قيل بعدها أن البكاء طهر وثبّت قلبه.
والمثير الدهشة أن أقرب رجال الرئيس كانوا في مواقعهم وداخل مكاتبهم أثناء غيبته ولكنهم تحرجوا من الظهور علنا ـ بدموع أو بغير دموع ـ لكي يرى الشعب الأمريكي أن هناك من يدير الأزمة على القمة. والذي حدث أن نائب الرئيس "ديك تشيني" دخل مكتبه ليجد مسئول الأمن بالبيت الأبيض يطلب إليه أن ينزل إلى خندق الطوارئ المبنى تحت مقر الرئاسة الأمريكية والمجهزة لمقاومة ضربة نووية. وتردد "تشيني" لكن قائد حرس البيت الأبيض هدد بحمله حملاً إلى حيث أمانه. وروى "تشيني" نفسه أن ضباط الحرس "حملوه بحيث لم تعد قدماه تلامسان الأرض، وقد قبل مسايرتهم حتى وقف على قدميه" ثم رضخ لها طلبوه منه فهو في الحالتين داخل البيت الأبيض، فوق السطح أو تحت السطح ـ في مكانه. وقد لحقته على الخندق السيدة "كونداليزا رايس" مستشار الرئيس للأمن القومي. واتصل به هناك زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ يسأله: "لماذا لا يظهر ليطمئن الناس"، وكان رد "تشيني" إنه "يقصد تقليل الظهور عمداً حتى لا يسبب إحراجاً للرئيس الغائب" ثم يضيف نائب الرئيس: "إنه لا يريد أن يكرر "الغلاظة" التي تصرف بها "الكسندر هيج" وزير الخارجية عندما وقع اعتداء على حياة رئيسه "رونالد ريجان" ونقل إلى المستشفى بعد إصابته بثلاث طلقات نارية، ودخل غرفة العمليات وخضع للتخدير. وعندما بدأ الكلام في قاعة المؤتمرات الصحفية بالبيت الأبيض عن فراغ في السلطة، إذا "ألكسندر هيج" يهرول مسرعاً، ينتفض انفعالاً ويتصبب عرقاً ليصيح أنه "المسئول عن كل شيء هنا الآن". وكانت تلك نهاية "ألكسندر هيج" بعد أن خرج رئيسه من غرفة العمليات وزال عنه تأثير التخدير! "وراحت السيدة "نانسي ريجان" تقول لزوارها أن مساعدي الرئيس "ريجان" حاولوا أن يرثوه وهو ما زال على قيد الحياة!"
ويظهر أن نفس الحرج الذي أصاب "تشيني" وصل إلى "كولين باول" وزير الخارجية كما وصل إلى "دونالد رامسفيلد" وزير الدفاع. وهكذا بدت القمة الأمريكية طوال عشر ساعات "فراغاً" من ملامح وصوت سلطة سياسية ومعنوية توحي بالثقة وتقود بعيداً عن الضياع أو الانفلات.
وعلى أي حال فإنه في ذلك المناخ الذي شاع فيه الاضطراب وانعزل فيه الرئيس وأقطاب إدارته ـ على الأقل بالمكان ـ توالت القرارات بعصبية زادت من تأثير الصدمة أكثر مما ساعدت على استيعابها. فقد صدر على سبيل المثال أمر بإغلاق المجال الجوي الأمريكي كله، وظل الإغلاق كاملاً خمسة أيام كان الدواء فيها أكثر خطراً من الداء "كما حدث لشركات الطيران الأمريكية التي تقدر خسائرها يوم الصدمة الأولى بستة بلايين دولار".
                                             **
والأغرب من ذلك أن الرئيس الامريكي وأركان حكمه لم يكونوا وحدهم فيما تصرفوا به وإنما كانت المصيبة أكبر لدى المسئولين عن وضع القرار الإستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية وفيهم من كانوا في المسئولية قبل الرئيس، ومعه، وبعده. لأنهم أقطاب المؤسسات الدائمة المسئولة: وفيها مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، ووزارتا الدفاع والخارجية، وهيئة أركان الحرب المشتركة، ووكالات المخابرات العسكرية والعامة، إلى جانب إدارات التخطيط الإستراتيجي للدولة القائدة للنظام الدولي في هذه اللحظة من التاريخ.
كانت مسئولية هؤلاء جميعاً أفدح من التقصير أو النسيان لأنهم - وليس غيرهم - الذين فكروا وقدورا وخططوا ورسموا شكل "التحدي القادم" على أمن ومصلحة الدولة الأمريكية - ووصلوا في تحديد ذلك الخطر إلى درجة اختيار اسم يطلقونه عليه وهو "الحرب غير المتوازية" Asymmetrical War.
والحقيقة أن هؤلاء المسئولين عن صنع القرار الإستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية، ومنذ سنة 1995 على الأقل، كلفوا بدراسة التهديد والخطر اللذين تواجههما الولايات المتحدة الأمريكية في المستقبل المنظور وكيف تستطيع أن تتأهب لهما. ولعدة سنوات كان عمل هؤلاء المسئولين دءوباً حتى توصلوا في نهاية إدارة كلينتون "2000" وبداية إدارة بوش "2001" ـ إلى وضع إستراتيجية رأوها كافية، وقد عرضوا ما توصلوا إليه على وزير الدفاع الأمريكي السابق "ويليام كوهين" فوافق عليه كإستراتيجية أمن أصدرها الرئيس "بيل كلينتون" فيما يسمى بـ "التوجيه الرئاسي".
وهذا "التوجيه الرئاسي" انتقل من إدارة "كلينتون" إلى إدارة "بوش" وأعيدت دراسته وتأكد أعتماده من جديد بتوقيع "جورج بوش" عليه.
ولم تكن تلك أسرار دولة ينفرد بها الخاصة وتحجب عن غيرهم، وإنما كان الموضوع كله في إطار "العلم العام" بمثل هذه الشئون، وقد سمعت عن هذا التوجيه الرئاسي كما سمع غيري، إلا أنني أطلعت على عديد من التقارير التي مهدت وجهزت له وفيها ما هو صادر عن "هيئة التقديرات في البنتاجون" وهي مجموعة تخطيط إستراتيجي أشرف عليها الجنرال "روبرت إيفاني" قائد كلية الحرب التابعة لوزارة الدفاع، وفيها ما هو صادر عن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ـ وفيها ما هو أهم لأنه "تقدير موقف" يحمل توقيع الجنرال "هنري شيلتون" رئيس هيئة أركان الحرب المشتركة للقوات الأمريكية.

وكانت المقدمات والتداعيات والنتائج ـ في كل هذه الوثائق ـ ترسم لوحة كاملة:
□ أولا: إن الولايات المتحدة لا تواجه الآن تهديداً، لأنه ليست هناك في الأوضاع الحالية ـ ولا على الأفق ـ قوة تستطيع أن تشن عليها حرباً تقليدية "بالأسلحة المتقدمة" أو حرباً غير تقليدية بأسلحة الدمار الشامل".
فالدول التي كان يخشى تهديدها ـ مثل الاتحاد السوفيتي السابق ـ لم تعد قادرة على شن مثل هذه الحرب ضد الولايات المتحدة وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي كان أكثر التخوف من "ترسانة نووية" ـ يوشك عمرها الافتراضي على الانتهاء، وقد يفكر "مجنون" يصل إلى قمة السلطة داخل الكرملين في استعمال هذه الترسانة ضمن محاولة ابتزاز يائسة وتكون كارثة مؤكدة ـ لكن ذلك الاحتمال زال، لأن الولايات المتحدة دعيت لتؤدى دوراً مهماً في صيانة الترسانة النووية السوفيتية، وسواء في الاتحاد الروسي نفسه، أو ملحقاته مثل أوكرانيا وبيلاروسيا.
وكان أول التقارير ـ التي مهدت للتوجيه الرئاسي الذي وقعه "كلينتون" ثم أعاد "بوش" التوقيع عليه تأكيداً ـ يعيد التذكير بأنه "بعد انتهاء الحرب الباردة بسقوط الاتحاد السوفيتي فإن المسرح العالمي شهد بعضاً من الدول الصغيرة "المارقة" "في قاموس السياسة الأمريكية" ـ جربت أن تملأ فراغات أو فجوات نشأت أو ظهرت مع نهاية الحرب الباردة لكن ساعة الذروة من هذه المرحلة فاتت"، وهنا يقول تقدير الموقف الذي أشرف عليه الجنرال "روبرت إيفاني" بالنص:
"إننا نستطيع أن نفترض أن أعداءنا أو خصومنا في المستقبل تلقوا وفهموا للدرس من حرب الخليج. لذلك فليس من المتوقع أن يحاول طرف منهم مواجهتنا في حرب تقليدية تعتمد على تشكيلات الدبابات والقوات الجوية والبحرية، ذلك أن النظر إلى هذه الميادين كلها يظهر تفوقاً ساحقاً في موازين القوة لصالح الولايات المتحدة. ويترتب على ذلك أن من يريد مواجهتنا من الأعداء أو الخصوم عليه أن يكتشف وسائل جديدة تمكنه من تهديد مصالحنا أو قواتنا أو مواطنينا. وعليه أن يتأكد أن هذه الوسائل تستطيع أن تحقق له ميزات ينفذ بواسطتها إلى مواقع    ضعف تكون عندنا".
ويستطرد "تقدير الموقف" تحت عهدة الجنرال "روبرت إيفاني" فيقول: هكذا فإننا لا نرى أن الأمن القومي يواجه تهديداً كبيراً ـ وإنما نرى أن الولايات المتحدة تواجه خطراً أو مخاطر ظاهرة الآن بالفعل ـ ولها مضاعفات يمكن توقعها".

والحاصل أن هذه الأخطار يتعرض لها تقدير موقف رسمي أمريكي آخر وهو هذه المرة صادر عن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وقد ظهر أمره إلى العلن سنة 2000، وهو يعتبر وثيقة لها أهمية خاصة لأنه نتيجة جهد "مجموعة عمل" تابعة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية كلفت منذ سنة 1995 ـ أيضاً ـ بأن تبحث في الظروف التي قد تفرض على الولايات المتحدة أن تتدخل في ظرف تخشى منه على مصالحها "خطر تسميه الوثيقة "تأكيد الاطمئنان إلى الأمن"".
وتقوم الوثيقة باستعراض يشبه عملية تشريح فتذكر أن عجز نظم صديقة للولايات المتحدة عن تحقيق درجة مقبولة من التحسن في المستويات الاقتصادية والاجتماعية لمواطنيها هو أكبر خطر يقلق الولايات المتحدة، لأنه يعرّض أنظمة موالية للوقوع في مصيدة "الفشل" وبعدها "هاوية السقوط".
ثم تتجه الوثيقة إلى عرض العوامل المؤدية إلى هذا النوع من المخاطر وتشرحها بالترتيب في تسلسل مترابط: ضعف الموارد ـ زيادة الفساد ـ سوء الإدارة ـ أزمة السيولة ـ البطالة ـ زيادة الدين الخارجي. ولا تكتفي وثيقة وكالة المخابرات المركزية هنا بالرصد وإنما تدخل في التفصيل فتضيف أن زيادة الدين الخارجي تستوجب تدخل عناصر أجنبية تبغي تأمين حقوقها وذلك على عكس الدين الداخلي، لأنه مهما تراكم يمكن معالجته بزيادة المطبوع من أوراق النقد حتى إذا أدى ذلك إلى زيادة التضخم.
وموضع الخطر الذي تتحسب له وكالة المخابرات المركزية أن "إفلاس دولة" سوف يجر معه إلى الهاوية جوارها ومحيطها وبالتالي يهدد مناطق بأكملها، وذلك يواجه إدارة السياسة الأمريكية بخيارات شديدة الصعوبة في الحفاظ على مواقعها ومصالحها.
والمأزق الذي تواجهه السياسة الأمريكية ـ طبقاً للوثيقة ـ أنها لا تستطيع أن تساعد هذا النوع من الدول. والسبب أنه: "على فرض استعدادنا لأن نقدم لهذه الدول زيادة في المساعدات تصل سنوياً إلى 20 بليون دولار فإن نصيب الفرد من أثر هذه المساعدات إلى البلدان المعنية لن يزيد على عشرة دولارات في السنة، وذلك لا يحدث تأثيراً له قيمة".
والنتيجة في وثيقة وكالة المخابرات المركزية "أن علينا أن نتعامل مع هذه الأوضاع كما هي، وندير علاقاتنا معها "بوسائل" مرنة، ونقبل "مخاطر" محسوبة، ونقوم بـ "تدخلات" في حدود يمكن السيطرة على آثارها!"
[تكشف ملاحق الوثيقة ـ وفيها تفاصيل المداولات التي أوصلت إلى نتائجها "أن الدول الضعيفة المعرضة للسقوط لها فوائد اقتصادية بالنسبة للولايات المتحدة فهي مستورد رئيسي من السوق الأمريكية كان يشتري سنة 1990 ما قيمته 35 % من صادرات أمريكا ثم وصل سنة 1999 إلى استيراد ما قيمته 41 % من هذه الصادرات"].

□ ثانياً: يقول تقدير الموقف الإستراتيجي للبنتاجون ـ وهذه عودة إليه من وثيقة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ـ "إن الخطر الأعلى صوتاً في الإعلان عن نفسه وفي التخويف من سطوته هذه المرحلة هو الإرهاب. والإرهاب ظاهرة موجودة في كل عصور التاريخ، لكنه الآن ـ وفي المستقبل أكثر ـ أخذ وسوف يأخذ طابعاً مختلفاً لثلاثة أسباب:
1- إن الإرهاب الآن لم يعد شخصاً وحيداً أو معه عصبة من الأشخاص التقى سرهم في الخفاء على اغتيال رجل أو امرأة انتقاماً من الشر أو اتقاء له كما يقول تاريخ الاغتيالات السياسية، وكما لم يعد الإرهاب اتحاد جماعات لها اتجاه إلى يمين أو إلى يسار "كعصابات الكوكلاكس كلان الأمريكية أو الألوية الحمراء الإيطالية"…
وإنما أصبح الإرهاب الآن، وبطبائع العصر الحديث، كتلاً متمددة عبر الأوطان والقارات تجمع عناصر من أصحاب القضايا العادلة التي نزلت عليها أثقال العصر فكادت تطحنها، ومن الناقمين على الفقر في كل مكان، ومن المحبطين في آمالهم لكافة الدواعي، ومن الساخطين على فجوة اجتماعية تتسع كل يوم، ومن التائهين في الماضي بغير عقل والشاردين في المستقبل بغير روح ـ لأن هؤلاء على اختلاف ما بينهم كونوا حلفاً تربطه شحنات رفض متضاربة تعرف ما لا تريد لكنها لا تعرف ما تريد! وهكذا فإنه منذ وقت مبكر في الستينات والسبعينات التقت وتعاونت عناصر من الإرهابيين اليابانيين "في الجيش الأحمر" والألمان "في بادر ماينهوف" والعرب "في أيلول الأسود" والمسلمين "في تنظيم "القاعدة" الذي يقوده أسامة بن لادن" وأخلاط من كل الأجناس في حزمة واحدة "جماعات كارلوس".
ثم تعاون الكل ـ واعين أو غير واعين ـ راضين أو متحفظين ـ وامتد تعاونهم وانتشر على جبهات واسعة.
وكانت الظروف المستجدة في العالم تعطيهم "وحدة سبب" لأنهم كانوا جميعاً قوى رفض لأمر واقع فرضه الأقوياء.
وكذلك اتحد رد الفعل السلبي "المظلوم" ـ إزاء الفعل الإيجابي "الظالم" كأنها العلاقة بين سؤال وجواب!
2ـ زاد على ذلك ثورة التكنولوجيا الحديثة قامت بفتوح دخلت إلى ذلك كافة الساحات بما فيها ساحة الإرهاب. وحدث بالفعل أن التكنولوجيا الحديثة في مجال الاتصال والمراقبة والتنصت والتسليح والإخفاء أعطت للإرهاب طول يد لم يتمكن منها في يوم من الأيام.
………………..
………………..
[وقد وصلت ضرورات "الحماية" المطلوبة إزاء اليد التي طالت للإرهاب إلى درجة أن إجراءات الأمن الروتينية لرؤساء الدول الآن لم تعد تقتصر على حماية ومواكب المسئولين وخطوط سيرهم والاعتقال أو الحجز الاحترازي المؤقت لأي مشكوك فيه أو مشبوه، وإنما وصلت الإجراءات بسبب تطور الوسائل إلى حد إغلاق المجال الجوي لمدينة تتواجد فيها شخصية مهمة حتى إذا كانت عاصمة كبيرة. والحاصل أن إغلاق المجال الجوي في منطقة تحيط بموقع مرور أو طريق زيارة يقوم بها مسئول، أصبح واحداً من إجراءات الأمن اليومية في عدد من بلدان العالم الثالث بالذات].
……………….
……………….
وفي اللحظة التي وصل حجم الكمبيوتر إلى حجم علبة كبريت، وظهر معه واتحد به التليفون المحمول ـ فإن الإرهاب وضع نفسه بالفعل في الصف المتقدم من العصر!
3ـ ثم نزلت على الجميع ظاهرة العولمة وتحولت أسواق العالم إلى شبكات "عنكبوتية" متداخلة ولا متناهية ـ وكذلك شبكات البريد الإليكتروني ـ وفي محيط المعلومات المتدفق على شبكات الإنترنت، ومع التحام الفضائيات في مجالات الإعلام والفنون والترفيه ـ ثم كان الأخطر أنه بتوافق لحظة عالمية لها خصائصها ـ وكتل إنسانية لها طبائعها فإن عالم الإرهاب أصبحت له ـ هو الآخر ـ شبكته التي تصل بين الكتل المتمردة عبر الأوطان والقارات والتي تجمع المطحونين والناقمين والساخطين والتائهين ـ ومعهم ـ بل زيادة عليهم ـ تنظيمات من الخارجين على القانون أو الراغبين في التحايل عليه لأسباب مالية ـ ليست سياسية ولا اجتماعية ولا فكرية ـ ومن ذلك شبكات تهريب السلاح والمخدرات وشبكات سرقة الأموال من حسابات البنوك وبطاقات الائتمان وغسيل الأموال بالنصب على هذه البنوك وتحويل فوائض "نشاط" ! مثل تجارة البغاء ـ إلى عملة شرعية حرة يحميها القانون، بالإضافة إلى نوع آخر من العمل "العمل يحتاجه جميع الفرقاء وهو تزوير الوثائق من جوازات السفر إلى بطاقات تحقيق الشخصية إلى شهادات الميلاد!
4ـ وفي ذلك المحيط وجواره نشأت شركات وهيئات تتولى "توريد الإرهاب" على نطاق دولي، وتعرض في السوق جيوشاً من الجنود المرتزقة. وهذه الشركات تبيع بضائعها وخدماتها طبقاً لعقود لا دخل فيها لفكرة الانتماء أو الولاء وتقدم خدمات الغزو والقتل لمن يطلبها بالسعر المتفق عليه. ثم إن ممثليها في توقيع هذه العقود لا يوجهون لأحد سؤالاً ولا ينتظرون جواباً يتخطى مبلغ العقد ومواعيد التسديد ومتى؟ وأين؟ وهذه الشركات تعتبر نشاطها "تخصصاً مهنياً" له دوره ولديه إمكانيات هذا الدور في البر والجو والبحر. "وقد انكشف دور هذه الشركات في تقارير للأمم المتحدة وفي تحقيق لوزارة الخارجية البريطانية حول انقلاب سيراليون ـ قبل أربع سنوات. وقد ظهر في التقارير والتحقيقات أن إحدى شركات صناعة الإرهاب ـ مسجلة في بريطانيا تحت اسم "شركة الخدمات الأمنية الخاصة" ومؤسسها ضابط سابق في القوات الخاصة البريطانية ـ لديها قوات عسكرية يصل عددها إلى سبعة عشر ألف مقاتل، وكما تملك سلاح طيران "3 أسراب من الطائرات"، وسلاح مدرعات "قرابة كتيبة دبابات"."
..……………..
………………
وهكذا تضافرت الكيانات المنظمة في عوالم الإرهاب مع انتشار التكنولوجيا ـ مع عولمة الفعل بين الخارجين عن القانون من السياسة إلى الجريمة ـ على خلق عدو جديد في ممارسة الحرب: هجوماً أو دفاعاً.
                                              **
وفي خلاصة موجزة لتقدير الموقف الذي وقعه "ويليام كوهين" وزير الدفاع الأمريكي في الإدارة السابقة وأقره رئيسها "بيل كلينتون" على هيئة توجيه رئاسي، ثم راجعه "دونالد رامسفيلد" وزير الدفاع الحالي وأقره "جورج بوش" على هيئة توجيه رئاسي ملزم، فإن المخاطر المحتملة على الولايات المتحدة وأمنها ومصالحها لها مصادر محددة ومعروفة:
□ "دول مارقة" وعت درس حرب الخليج وأصبح جهدها موجها إلى العثور على نقاط ضعف "أمريكية" تستطيع أن تنفذ منها وتستغل وتضرب.
□ "دول صديقة" وهنت قواها حتى أوشكت على الإفلاس مما يعرضها للسقوط. ومع أن الولايات المتحدة لا تسمح بهذا السقوط فهي في الوقت نفسه لا ترى وسيلة للمساعدة على منعه!
□ "إرهاب" وصل إلى مرحلة العولمة في نفس الوقت وصول مجتمعات الدول إلى مرحلة العولمة!
وكذلك ـ يصل تقدير الموقف ـ "ظهر هذا النوع الجديد من الحرب ـ "الحرب غير المتوازية" Asymmetrical War.
 
2ـ نوع جديد من الحرب بدأ الآن:
لم تكن هيئة التقديرات في البنتاجون وحدها التي وصفت الأخطار الجديدة وصكّت لها تعبير "الحرب غير المتوازية" ـ بل تابعتها هيئة أركان حرب القوات الأمريكية "ورئيسها الجنرال "هنري شيلتون" الذي قدم تقريراً تحدث عن شكل الخطر القادم بدا وكأنه يشير صراحة ـ وقبلها بسنتين ـ إلى صواعق النار والدمار التي نزلت على نيويورك وواشنطن يوم الثلاثاء 11 سبتمبر 2001.
فقد قال تقرير رئاسة أركان حرب القوات الأمريكية، وبتوقيع رئيسها الجنرال "شيلتون" وهو يحاول تعريف الحرب "غير المتوازية" ما يلي في الصفحة الثانية منه:
"الحرب "غير المتوازية" هي محاولة طرف يعادي الولايات المتحدة ـ أن يلتف من حول قوتها ويستغل نقط ضعفها معتمداً في ذلك على وسائل تختلف بطريقة كاملة عن نوع العمليات التي يمكن توقعها. وعدم التوازي يعني أن يستعمل العدو طاقة الحرب النفسية وما يصاحبها من شحنات الصدمة والعجز لكي ينتزع في يده زمام المبادرة وحرية الحركة والإرادة. وبأسلوب يستخدم وسائل مستحدثة، وتكتيكات غير تقليدية وأسلحة وتكنولوجيات جرى التوصل إليها بالتفكير في غير المتوقع وغير المعقول ـ ثم تطبيقه على كل مستويات الحرب: من الإستراتيجية – إلى التخطيط – إلى العمليات – بعرض أفق عليه بدائل طار إليها خيال لا يخطر على البال منطقياً ولا يطرح نفسه عملياً في التقديرات التي نستطيع تصورها".
وكان ما توقعه رئيس هيئة أركان الحرب المشتركة للقوات الأمريكية المسلحة الجنرال "هنري شيلتون" ـ هو بالضبط ما وقع يوم 11 سبتمبر الأخير:
خطف أربع طائرات في ظرف نصف ساعة ـ من مطار واحد في بوسطن "شرق الولايات المتحدة".
ومخزون الوقود على كل طائرة منها عند حده الأقصى لأن وجهتها الأصلية ولاية كاليفورنيا "غرب الولايات المتحدة"
وتحويل مسار هذه الطائرات بعد إقلاعها بمسافة قصيرة إلى مقاصد أخرى بحيث تتجه اثنتان إلى نيويورك ـ وثالثة إلى واشنطن ـ ثم رابعة لم تبلغ هدفها المطلوب.
واستعمال هذه الطائرات بخاطفيها وطواقمها وركابها من الرجال والنساء والأطفال، مع الهياكل المعدنية لهذه الطائرات، ومحركاتها، ووقودها، وعجن الكل معاً: المعدن واللهب، واللحم والعظم، ومشاعر الفزع واليأس ـ في عجينة واحدة بحيث تتحول كل واحدة من هذه الطائرات إلى قذيفة هلاك من طراز مروع!
اثنتان من هذه الطائرات تقتحم أهم رموز الاقتصاد الأمريكي "برجي التجارة الشهيرين في نيويورك" ثم تنقض ثالثة على أهم رموز القوة الأمريكية "مبنى وزارة الدفاع "البنتاجون" في واشنطن" ـ وأما الرابعة فقد كان لها هدف آخر في واشنطن لم تستطع بلوغه.
وتم ذلك كله في ومضات وصور لا يصدقها عقل أو قلب أو خيال وفي مشاهد لم ترها من قبل عين ولا حتى على شاشة عرض سينمائي أو تليفزيوني!
والمفارقة أن أول تصريح للجنرال "شيلتون" أعلن للرأي العام بعد تلك المشاهد المروعة فوق نيويورك وواشنطن هو قوله "لا تقعوا في الخطأ ـ قواتكم المسلحة جاهزة" وكأن الناس لم يروا بعيونهم أن القوات المسلحة الأمريكية أخذت على غرة ولم تكن مستعدة برغم تصوراتها وتقديراتها السابقة عن نوع جديد من الحرب! ثم لحقه "دونالد رامسفيلد" وزير الدفاع بتصريح قال فيه "اطمئنوا: البنتاجون سوف يستأنف العمل كالمعتاد غداً" كأن البنتاجون دكان بقالة أغلق أبوابه يوماً بسبب ظرف مفاجئ أصاب عائلة صاحبه!"
على أن الرئيس "جورج بوش" عندما مسح الدموع كان اكثر دقة "فالذين كتبوا له خطابه كانت لديهم فسحة وقت كافية، وكانوا على علم بالتوجيه الرئاسي الذي حمل توقيع الرئيس بناء على توصيات هيئة أركان الحرب، وغيرها من الأجهزة، الظاهرة والخفية لصنع القرار الأمريكي". وهكذا كان أول تعليق لـ "بوش" "هذا إعلان حرب" ثم أضاف: "هذه حرب جديدة"، ثم زاد: "هذه حرب القرن الواحد والعشرين"!
كانت الإشارة واضحة إلى فكرة الحرب "غير المتوازية"!
                                           **
وتحتاج فكرة الحرب "غير المتوازية" إلى وقفة ترسم الفاصل بينها وبين الحرب "غير المتوازنة"، لأن كلا منهما تنتمي إلى فصيلة. ذلك أنه منذ قامت الدولة على مجرى التطور الإنساني، وقامت هذه الدولة بإنشاء جيوش نظامية تحقق من مطالبها ما يستدعي استعمال السلاح ـ دارت الحروب على أساس التوازن "أو عدم التوازن" في القوة وتلك الطبيعة الأمور كما عرضت نفسها.
بمعنى أنها جيوش منظمة تستعمل نفس الأسلحة.
ـ جواد ورمح أمام جواد ورمح ـ في عصر.
ـ مدفع وقذيفة أمام مدفع وقذيفة ـ في عصر ثان.
ـ دبابة وطائرة أمام دبابة وطائرة ـ في عصر ثالث.
وكان توازن القوى يؤدي عمله في درجة استعداد هذا الطرف أو ذاك، وفي كفاءة إدارته لموارده أو عجزه، حتى يأخذ حركة "الميزان" لصالحه، ويحقق "عدم التوازن" وينتزع لنفسه النصر.
ومع أن زمان هذا النوع من الحروب عرف درجات متفاوتة من العمل المسلح مثل حرب العصابات في المدن والجبال والأدغال، فإن منطق "توازن" القوى ـ أو "عدم التوازن" ظل ساريا.
لكن الحرب "غير المتوازية" مسألة أخرى.
ـ بداية ليس هناك ميدان يتقابل فيه المتحاربون أمام بعضهم مواجهة أو بالالتفاف.
ـ يلي ذلك أن "السلاح" ليس "متماثلاً" حتى وإن اختلفت درجات قوته.
ـ ثم إنه ليست هناك صلة بين فعل ورد فعل تجري ممارسته على ساحة معينة يدور فوقها اتصال.
ـ ويترتب على ذلك أن خطط السلاح وفعل السلاح هنا خارج حساب أي منطق أو تصور يمكن توقعه.
ومع أن الحشد وسرعة الحركة والمفاجأة أساليب مطلوبة في كل أنواع الحروب ـ إلا أنها في حالة الحرب "غير المتوازية" مطلوبة أكثر لأنها لازمة لمدرسة التفكير فيما لا يمكن التفكير فيه مما لا يحكمه قيد أو حد، لأنه على حد تعبير ورد في تقرير الجنرال "شيلتون" "تفكير يوسوس به الهذيان والجنون ولا يؤدى إليه العلم أو توازن القوة مهما كانت دقة حساباته".
وكذلك اتفق الجميع على أنه في مقابل الحرب "المتوازنة" أو "غير المتوازنة" ـ ظهر نوع آخر وهو الحرب "غير المتوازنة".
                                            **
ويثير الدهشة ـ بأثر رجعي ـ أن يطلع أي مهتم على التقرير الإستراتيجي الذي أشرف عليه الجنرال "روبرت إيفاني" والذي حوى مدخلاً كتبه الدكتور "دوجلاس لفليس" وهو واحد من العقول المفكرة في "البنتاجون" يتولى مسئولية الإشراف على الأبحاث في التخطيط الاستراتيجي. وفي هذا المدخل للتقرير كتب الدكتور "لفليس":
"بعد المؤتمرات التي عقدت في مايو سنة 2000 بين قيادات قوات "المارينْز" العاملة مع التشكيلات المقاتلة للقوات البرية، رؤى الاستعداد للحرب المقبلة على أساس نظرية الحرب "غير المتوازية" وكذلك فقد كلفنا بالعمل على تحديد وتوصيف النظرية العسكرية لهذه الحرب في تطبيقاتها وإمكاناتها غير المتوقعة، والعمل على بلورة إستراتيجية واضحة لمواجهتها.
ثم يضيف "لفليس" في مدخل التقرير الإستراتيجي: "إن القوة العسكرية الأمريكية لن تواجه في الغالب ـ وفي المستقبل المنظور ـ صراعات عسكرية يحكمها التوازن لصالحنا أو ضدنا، وإنما هي ـ وذلك ما نستطيع تأكيده ـ سوف تواجه مخاطر يوجهها ويقوم بها خصوم لا يملكون فرصة للتوازن ضد القوة الأمريكية ويكون عماد تحديهم استعمال أشكال من الحرب لا تتوقعها الولايات المتحدة ولم تستعد لها. وهنا تظهر الضرورية الحيوية للاستعداد لحرب من نوع جديد يقوم على "عدم التوازي" ـ بدلاً من "عدم التوازن" الذي اتبعناه حتى الآن وحشدنا أقصى الإمكانات والكفاءات لمواجهته".
بعد هذا المدخل إلى نظرية الحرب "غير المتوازية" يبدأ صلب التقرير بطرح مجموعة ملاحظات تضع أسساً "هجومية أو دفاعية" لنوع الحرب الجديدة.
□ فيها أنه لا بد من إدراك أن هذا النوع من الحرب ليس مقيداً بمذاهب في الحرب مصنفة، وإنما هو يلتقط الوسائل التي يفكر فيها بمصادفات الظروف، لكنه عندما يقابلها بالمصادفة يدرسها بعناية وذلك يجعل التنبؤ المسبق بأعماله مهمة شاقة وعسيرة!
□ وهذا النوع من الحرب بطبيعته جاهز لأعلى درجة من المخاطرة لأن الخسارة بالنسبة إليه في الحالتين واحدة، وبالتالي فإن أعلى المخاطر تتساوى عنده مع أقلها!
□ وهذا النوع من الحرب بضروراته يدور في سرية شديدة تمرس عليها عدو قادر على العمل تحت نظام دولة لها سلطتها ولها مؤسساتها، وبالتالي فإن هذا العدو استوعب وهضم أساليب العمل في الظلام أمام خصم هو بأوضاع الدولة وأسباب الشرعية يخوض المواجهة وسط حالة انكشاف كامل.
□ وهذا النوع من الحرب يمارس دوره بخلطة مزيج قوي المفعول بين ما هو "مادي" وما هو "نفسي" وذلك أكثر ما يخدمه في الأساليب "غير المتوازية" التي يستعملها.
□ والعدو في هذا النوع من الحرب يمتاز بروح معنوية عالية لدى أفراده، وتكنولوجيا متقدمة في عملياته، واستعداده لأقصى المخاطر يجعل ما لا يجوز التفكير فيه وارداً، كما يجعله ممكناً حتى ولو كان في المقاييس الطبيعية من المستحيلات أو من ضروب الجنون.
□ وهذا النوع من الحرب يقتضي "إرادة قوية" و"تنظيماً حديدياً" و"صبراً" يرقب على مهل لأنه ليس رد فعل يتحتم عليه "لدواع كثيرة" ـ أن يواجه فعلاً حيث يتوقع الطرف الآخر أن يجيء "زماناً او مكاناً".
وأخيراً يصل التقرير إلى الخلاصة فيقدم نظرية للدفاع في الحرب "غير المتوازية" ـ بعد أن عرض لنظرية ممارسة الهجوم فيها.
 
3ـ استراتيجية مواجهة حرب جديدة!
التقرير الذي أشرف عليه الجنرال "روبرت إيفاني" ـ واعتمد عليه الجنرال "هنري شيلتون" رئيس هيئة أركان الحرب المشتركة وهو يقدم توصياته إلى الرئيسين "كلينتون" و"بوش" ـ وقد أقرها كلاهما وأصدر كل منهما في عهده توجيها رئاسياً يحدد مجموعة من الإجراءات المضادة تقوم بها القواة الأمريكية في مواجهة خطر الحرب الجديدة "الحرب "غير المتوازية" ". وهذه الإجراءات واردة بالتفصيل في الملخص التنفيذي للتقرير الذي أشرف عليه الجنرال "روبرت إيفاني".
□ الإجراء الأول: يطلب "تعظيم قوة الإدراك النظري والتأقلم مع احتمالاته تنظيمياً"، وتلك صياغة تبدو معقدة لكن التفاصيل والشروح المعروضة في شأنها تيسر فهمها.
والتفاصيل والشروح ـ بعد العنوان المعقد ـ تتحدث عن مرونة مطلوبة في التنظيم وفي العمل تصل إلى "أنه إذا كان العدو في الحرب "غير المتوازية" مهيأ لأن يفكر فيما لا يجوز التفكير فيه ـ فكذلك يجب أن يفعل المكلفون بمواجهته ـ وإذا كان ذلك العدو يستعير في عملياته الهجومية صفحات من "كتاب الجنون" ـ فإن الدفاع ضده عليه أن يستعير فصولاً كاملة من نفس الكتاب: "كتاب الجنون". والدفاع في هذه الحالة يتصرف داخل حدود الشرعية لأن الخارج عن القانون الذي يستعير صفحة من الجنون يرتكب جريمة ـ وأما المدافع باسم المجتمع والدولة فإنه إذا استعاره من كتاب الجنون فصلاً ـ ظل في إطار الشرعية لم يخرج عنه!
وتصل مطالب المرونة "بنصوص محددة" إلى ضرورة التغاضي عن "المراسم التقليدية" المعمول بها في القرار السياسي الإستراتيجي حتى الآن، بما في ذلك العودة إلى المؤسسات قبل إصدار القرار، والاتصال بالقوى الخارجية الصديقة في التمهيد له، والتركيز على تكتيل رأي عام يسنده لأن تلك "مراسم" لم تعد تستحق أن يضيع فيها وقت ثمين، والأولى والأفضل هو القيام بفعل قوى تفهمه المؤسسات حين تنفيذه "وتجد فيه مخرجها الوحيد لتجاوز أزمة"، وتقبله القوى الخارجية حين تجده أمراً واقعاً لا يمكن استرداده "وتصطف كل واحدة منها تؤدي دورها المرسوم لها أو تجد نفسها خارج الإطار"، ويتحمس له الرأي العام الأمريكي حين يراه وقد انطلق جريئاً قوياً ومثيراً للخيال "فيأخذه عن النظر فيما جرى وكيف جرى ومن المسئول؟!".
ثم يستطرد حديث الإجراءات في شرحه لمزايا الجرأة والقوة والخيال إلى طرح فكرة إنشاء مجموعات عمل من قوات خاصة لها وجود مقيم داخل الولايات المتحدة وخارجها تكون لها إمكانيات الحركة السريعة لضرب أي خطر وفق "خطط" خلاقة و"تكتيك" باهر.
……………….
……………….
[وتلك البداية لإجراءات الدفاع في الحرب "غير المتوازية" تبدو مخيفة، لأن الدولة بالطبيعة تنظيم عاقل، فإذا استعار فصلاً من كتاب الجنون فمعنى ذلك أنه استغنى عن فكرة الشرعية لأن كتاب القانون أساسها وليس كتاب الجنون.
ثم إن تلك الإجراءات تفتح "الداخل الوطني" لكتائب عمل مسلح مقيم تعمل ـ في الداخل الخارج ـ وفق ما يوصف بأنه "خطط خلاقة" و "تكتيك باهر" ـ كما إن عملها يسنده تحريض إلى تجاهل وإهمال القواعد أو الضوابط "تقليدية" وذلك من شأنه أن يهوي بمستوى الممارسة السياسية الأمريكية على حقول شوك. وإذا كانت بعض الممارسات الأمريكية قبل عهد الحرب "غير المتوازية" أدت إلى شيوع وصف "الأمريكي القبيح" في إعلام وفنون لغات كثيرة في الدنيا، فإن وصف "الأمريكي المجنون" إساءة أكبر إذا اقترن بممارسات الدولة التي آلت إليها قيادة النظام الدولي!].
……………….
……………….
□ الإجراء الثاني: إجراء ليس في عنوانه غموض لفظي كسابقه وإنما الغموض فعلي. ونصه: "المخابرات الموجهة".
ومضمونه "أن الخطأ الذي وقعت فيه أجهزة المخابرات الأمريكية في العصر الحديث هو اعتمادها الزائد على وسائل التكنولوجيا المتطورة، كما فعلت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية التي تحولت إلى جهاز آخر من أجهزة الدولة البيروقراطية، وكما فعلت فيه وكالة الأمن القومي "وهي جهاز مخابرات أكبر من المخابرات المركزية لكن اختصاصه هو فك شفرات دول العالم كله ومتابعة وسائل الاتصال في قارات الدنيا ـ من البريد إلى الفاكس، ومن البريد الإليكتروني إلى التليفونات الثابتة والمحمولة".
والتفاصيل الواردة في شرح مقاصد هذا الإجراء تذهب إلى أن "أجهزة المخابرات الأمريكية الكبيرة تستطيع أن تعتمد على التكنولوجيا المتطورة في متابعة ومراقبة حكومات أو هيئات دولية أو حتى عصابات لها أنشطة يمكن رصدها مثل تهريب المخدرات وتجارة البغاء ـ لكن نوع الحرب الجديد وهو الحرب "غير المتوازية" يستعمل وسائل أخرى أكثر تعقيداً، ولذلك فإن الضرورات تقتضي اهتماماً أكثر بـ "الجاسوس التقليدي" ـ أي الجاسوس الإنسان الذي يرسل ويزرع في الموضع المطلوب لكي يعرف ويبلغ في الوقت الملائم".
أي أنه لا بد من تعزيز التجسس الإلكتروني بنشر الجواسيس من البشر على أوسع نطاق بحيث تكون معلوماتهم مباشرة من عين وأذن وإحساس، ولا تعتمد على نبضات إلكترونية منتظمة لكنها محايدة لا ترى ولا تسمع ولا تحس.
……………….
……………….
[وهذه العودة إلى نشر الجواسيس على أوسع نطاق هي الإجراء الوحيد الذي يبدو مفهوماً أكثر من غيره. لكن خطره أن وسائل التكنولوجيا تقدر على كشف الجاسوس الإنسان، حتى إذا كان هذا الجاسوس الإنسان أكفأ من الوسائل التكنولوجية لأنه يرى ويسمع ويحس.
يضاف إلى ذلك أن نشر الجواسيس في العالم على طريقة "الوفرة" الأمريكية في كل شيء يؤدي إلى مناخ عالمي متوجس بالشك ومتوتر!
ويستحق الملاحظة أن أول ما تطلبه الولايات المتحدة الأمريكية الآن من أصدقائها في كل أنحاء العالم ـ وبعد أن جرى ما جرى في نيويورك وواشنطن، هو: جهد مخابرات ـ معلومات مخابرات ـ شبكات مخابرات!]
……………….
……………….
□ الإجراء الثالث: عنوانه "تغطية مواقع الانكشاف" في النظام الأمريكي. والعنوان واضح فيما يقصد إليه. فهو يطلب إحكام الرقابة، بكل الوسائل، وفي كافة المواقع بحيث يتأكد سد "الثغرات العارية" في الدولة والمجتمع الأمريكي حتى لو أدى الأمر إلى فرض حدود وقيود لم تعرفها التجربة الأمريكية منذ بدايتها!
………………
………………
[ومن سوء الحظ أن هذا الإجراء يقضي على الميزات الرئيسية للحياة الأمريكية ويحول أكثر المجتمعات تحرراً إلى مجتمع بوليسي تعم فيه نبوءات الأديب البريطاني الشهير "جورج أوريل" وبينها رواية "1984" التي تحدث فيها عن شخصية الأخ الأكبر "جو" الذي يعرف كل شيء لأنه يراقب كل الناس، وكانت مشاهد هذه الرواية لعنة طاردت النظم الشيوعية حتى شيعتها إلى نهايتها. والآن فإن ذلك الظل القاتم يزحف على مجتمعات كان مدار فخرها باستمرار أن أبوابها ونوافذها مفتوحة طول الوقت!]
………………
………………
□ الإجراء الرابع: يعود مرة أخرى بالنصوص إلى غموض التعبيرات. فعنوانه هو "الدقة الشاملة الأبعاد" وحديثه عن العوامل النفسية، وهو يجمل القول فيها بأنه "لا بد أن يدخل في التخطيط لمواجهة الحرب "غير المتوازية" عنصر إثارة الخوف والقلق دائماً لدى أي مصدر للتهديد" ـ ولما كانت مصادر التهديد متنوعة في الحرب "غير المتوازية" ـ فإن سياسة التخويف وإثارة القلق لا بد أن تستغل كل الوسائل ابتداءً من التعليم إلى التربية إلى الثقافة إلى بث المعلومات حتى يصل أي عدوٍ محتمل إلى فقدان إرادته قبل أن يبدأ نشاطه.
………………..
……………….
[وذلك إجراء إذا تم تنفيذه "وبعض التصرفات توحي بأن التنفيذ بدأ" كفيل بأن يحول القرن الحالي ـ وهو على الأرجح قرن أمريكي في أغلبه ـ إلى "كابوس" بدلاً من أن يكون "حلماً" كما كان كثيرون يأملون ويسعون منذ برزت القوة الأمريكية مع نهاية الحرب العالمية الثانية، ذلك لأن الرئيس الأمريكي لن يكتفي بأن يطلق صباح كل يوم "صرخة زئير" من مكتبه في البيت الأبيض يسمعها العالم ويعرف أن ملك الغابة لا يزال أقوى وحوشها ـ وإنما هو مقبل بالقطع على وسائل في "التخويف" تقارب "الرعب" وبعض ذلك وقع فعلاً، فالأطراف يلتمسون من واشنطن شهادات براءة، وكلهم يتسابق لعرض وتقديم المساعدة والعمل ينتظر دوره أمام مراكز التبرع بالدم!]
………………
………………
□ الإجراء الخامس: وهو خاتمة المطاف، يطالب بـ "أمن داخلي مندمج" Homeland Security Integrated. والعنوان مثقل بالغموض ـ مرة أخرى ـ لأنه يشير إلى أن الحرب "غير المتوازية" لا تجري خارج الولايات المتحدة كما كان الحال في زمن مضى، وإنما الأرض الأمريكية نفسها "مدنها ومعالمها ومرافقها"، هي الآن ميدان المعركة، وعليه فإن الدفاع عن أمريكا يجب أن يتم وفق إستراتيجية صلبة ومتماسكة، والسبيل إلى ذلك أن تقوم على تنفيذ إستراتيجية الدفاع الجديدة في الداخل مؤسسة أمن شامل تكون مسئولة عن حماية البنية الأساسية الاقتصادية للمجتمع الأمريكي وأن تكون لهذه المؤسسة سلطة القيام بعملها دون عوائق. وبالفعل فإن الرئيس بوش أعلن في خطابه أمام مجلسي الكونجرس يوم 19 سبتمبر عن تعيين وزير للأمن الداخلي في الولايات المتحدة الأمريكية!
……………….
……………….
[وعندما تقوم مثل هذه السلطة المهيمنة على الأمن وتكون تحت تصرفها وكالات مخابرات من أضخم ما عرف التاريخ فليس هناك شك في أن الولايات المتحدة سوف تتحول في الداخل "كما في الخارج" إلى ديكتاتورية عسكرية تتنازل بها من مقام أكثر الدول تقدماً في العصر الحديث إلى واحدة من دول العالم الثالث تحكمها قوانين الطوارئ وأجهزتها وأدواتها، بما في ذلك الأمر بالقتل. وكان القتل في ممارسة السياسة الخارجية الأمريكية إجراء مسموحاً به، وقد طرأ عليه ـ أواخر عصر الرئيس "كيندي" ـ قيد يفرض ضرورة الحصول فيه على أمر رئاسي. لكنه ضمن تشديد إجراءات الحرب "غير المتوازية" سقط اشتراط الإذن الرئاسي للاغتيالات حتى على مستوى قادة الدول، وذلك معناه ضياع فكرة الدولة قبل فكرة القانون.]
………………..
………………..
كانت هذه الإستراتيجيات والسياسات والخطط لإدارة الحرب "غير المتوازية" موجودة ومكتوبة ومعتمدة، تحت التنفيذ العملي.
وبرغم ذلك فإنه عندما وقعت الواقعة، وانقضت صواعق النار والدمار فوق نيويورك وواشنطن، بدأ أن الكل "مأخوذ بالصدمة ومذهول" وكأنه لم يفكر ولم يناقش، ولم يكتب تقارير، ولم يعتمد إستراتيجيات، ولم يوقع على توجيهات رئاسية بإمضاء رئيسين أمريكيين: "كلينتون" و"بوش".
بل وراحت الإدارة في واشنطن تتصرف بشخصية وطريقة العالم الثالث:
□ انكشفت متلبسة بالإهمال الجسيم أو النسيان لأحوال فكرت فيها وتوقعتها واستعدت لها إلى درجة أنها وجدت اسما أطلقته عليها.
□ ولم تكن على استعداد للاعتراف بتحمل المسئولية والتحقيق مع القائمين بمطالب التوجيه الرئاسي وإجراءاته في شأن الحرب "غير المتوازية" "أولها البنتاجون الذي يحصل على 240 بليون دولار كل سنة من الميزانية الفيدرالية ـ وقبله أجهزة المخابرات التي تحصل على 30 بليونا ـ وغيرها وغيرها".
□ وراح الرئيس الأمريكي يتهم كل الأطراف إلا نفسه ـ وكل الجهات إلا إدارته.
ومن اللحظة الأولى وصف ما حدث بأنه "إعلان حرب" على أمريكا، لكن الحرب طرحت نفسها بشهوة الانتقام والأخذ بالثأر. وفي الحقيقة فإن الرئيس الأمريكي كان يثأر لنفسه ولإدارته من المفاجأة التي نزلت على الأثنين!
□ ثم كان التجاء "بوش" هارباً إلى الدين يقيم صلواته وطقوسه ويستدعي جلاله لكي يصرف الناس عن الحقائق الماثلة للعيان بدفعهم إلى الاستغراق في غيب الإيمان.
□ وكانت الخطوة التالية استحضار الوطنية إلى درجة التعصب لعلها تمسح دموع الآلام بقماش الأعلام وتغطى بصوت الأناشيد الحماسية على شهقات النحيب المجروح بالفاجعة.
[ولتكملة "المشهد الثقافي" والحفاظ على نقائه وقع الطلب إلى وسائل الإعلام الأمريكية أن تمتنع ـ رجاءً ـ عن نشر ـ أو التوسع في نشر ـ خبر أو أخبار عن نهب مخزن للمجوهرات والمصوغات تحيط به أربعة محلات لبيعها في مداخل أبراج التجارة العالمية، لأن مرتكب هذا النهب في هذا الموقع لا يمكن إلا أن يكون من ضباط البوليس ، أو إطفاء الحرائق، أو الحرس الوطني وهذا يسيء إلى الملائكية المطلوبة لصورة أمريكا مع حالة المأساة وكان أن جريدة واحدة وهي "نيويورك تيمس" أصرت على حقها في النشر!]
□ وجاء الدور لدعوة الأصدقاء في الدنيا إلى مظاهرة في حب أمريكا تقنع شعبها بأنه ليس وحده أمام جيوش الشر وآثامها. ومع أن الدعوة إلى إظهار الحب غريبة في بابها لأن لهجتها بدت إنذار للآخرين بأن يقرروا حالا "هل يموتون حباً أو يموتون ضرباً" ـ "معناً أو مع الإرهاب"، فإن كثيرين في العالم راحوا ـ وبصدق ـ يصلون في الكنائس والمساجد، ويدلون بالتصريحات للصحف، ويصدرون الفتاوى في كل الأديان باستنكار ما جرى "لأن ما جرى بالفعل يصعب قبوله مهما كانت ذرائعه".
□ وعندما اكتملت درجة ساخنة من التعبئة ولحق بها التأهب للعمل العسكري، بدا بوضوح أن الرئيس الأمريكي يريد أن يعوض بالعنف ما انكشف من إدارته بالضعف.
فهو يستعمل القوة العسكرية التقليدية، وفيها الجيوش وأساطيل البحر والجو والصواريخ، على أوسع نطاق أو يهدد بها "حتى الآن" ـ مع أن القوة العسكرية التقليدية لم تكن ضمن الإجراءات المطروحة لمواجهة هذا النوع من الحروب الجديدة. فحشد الجيوش ينتمي إلى عصر الحرب "غير المتوازنة" وليس إلى عصر الحرب "غير المتوازية".
□ وكذلك بان وكأن الرئيس الأمريكي يريد تصفية حساباته المعلقة في منطقة الشرق الأوسط ضمن عملية جراحية ممتدة، ومع ملاحظة أن "بوش" ـ من قبل صواعق النار على نيويورك وواشنطن كان يهدد الشرق الأوسط بخريف خطر، فهو الآن ـ ولأسبابه الطارئة ـ يهدد بشتاء ممتد من الحرائق لا تنقطع فيه ألسنة اللهب!
□ وأكبر الظن أن ما يبدو من خطط الرئيس الأمريكي لا يجعل الخريف خطراً ولا يجعل الشتاء حريقاً في الشرق الأوسط وحده، وإنما يوحي شكل الكلام والحركة ونوايا الفعل بأنها نار واصلة بألسنتها وشررها إلى بعيد، لأن العالم يساق إلى مواجهة حالة حرب مزدوجة: حرب "غير متوازنة" لها أسلحتها التي تحتشد وتتحرك، وفي الوقت نفسه حرب "غير متوازية" لها إجراءاتها ومعظمها بالغ التعقيد وخفى. وازدواجية نوعين من الحرب في الوقت نفسه خبط في الظلام وخطر.
4ـ صناعة وحش والخلاص منه بالقتل!
يجيء أو أن الانتقال إلى مجموعة ملاحظات ينصب معظمها على منطق هذه الحرب من نوع جديد التي أسموها الحرب "غير المتوازية" "مع أن أصحابها ينزعون عنها المنطق ويلحقونها بالجنون":
* الملاحظة الأولى: إنه يبدو من قراءة عدد كبير من الوثائق والتقارير الأمريكية أن انتفاضة الطفل الفلسطيني كانت أول ما لفت الأنظار إلى تغيير في استعمال القوة يمزج بين متناقضات يصعب اتفاقها داخل فعل واحد.
فالطفل في كل الأوطان رمز للبراءة، وخروجه إلى مقاومة الدبابة يجسد معنى الجرأة حين يدعو إليها اليأس، واستعمال الطفل للحجر يلتقطه من العراء حرب بغير تكلفة مادية، وحرب لا تحتاج إلى عبء إداري، وهي مستغنية عن التنظيم بتلقائية مثالية تشيع روحاً مشتركة في المقاومة، إلى جانب أنها تستدعي إيماءة دينية من حيث أن الرجم بالحجارة يقترن بمقاومة الشيطان في الإسلام.
وقد بدت "الانتفاضة" أمام أصحاب نظرية الحرب "غير المتوازية" ظاهرة تدعو لإطالة التفكير باعتبارها تجديداً للوسائل في قوة المقاومة.
وربما أنه من الخبرة في مقاومة الانتفاضة، فإن أجهزة المخابرات الإسرائيلية هذه الأيام شديدة النشاط في كتابة تقارير تزعم لنفسها خبرة طويلة في ممارسة الحرب "غير المتوازية"، "مع أن خبرة "آرييل شارون" رئيس وزراء إسرائيل لا ترشحه دليلاً تلتمس خبرته، في مقاومة الإرهاب ـ بل العكس صحيح!"
* الملاحظة الثانية: إن وثائق الاستراتيجية الأمريكية الجديدة ـ وفيها التوجيهات الرئاسية لـ "كلينتون" و"بوش" ـ تظهر أن الحادث الذي تعرض له الطراد "كول" في ميناء عدن "أكتوبر 2000" جرى اعتباره الضربة الأولى المؤكدة في الحرب "غير المتوازية".
فهناك في اليمن، بعيداً عن أي فعل ورد فعل، وبدون ميدان مواجهة قائمة أو محتملة، أقدم رجلان يصفهما تقرير أمريكي بأنهما "ملآ أشداقهما بنبات القات المخدر وركبا قاربا مطاطيا مستعملا لا يزيد ثمنه على مائتي دولار، ثم سارا به وسط ميناء عدن على مرأى ومسمع من مئات الناس "وفيهم البوليس اليمنى والحراسة الأمريكية على ظهر الطراد" ثم اصطدما بـ "كول" وحولا أرواع المفاخر البحرية في ترسانة القوة البحرية الأمريكية إلى بطة مكسورة الجناح تعرج فوق الموج عاجزة ومهانة!"
ويظهر في الوثائق أن الإستراتيجية الأمريكية الجديدة لم تعتبر بحوادث غير تقليدية سبقت حادث الطراد "كول" ولم تقم بتصنيفها تحت بند الحرب "غير المتوازية" مع أنها تبدو كذلك للوهلة الأولى:
□ فهي لم تعتبر أن ضرب قوات "المارينز" حول السفارة الأمريكية في أجواء الحرب الأهلية في لبنان "أكتوبر سنة 1983" من أعمال الحرب "غير المتوازية" وإنما اعتبرتها تنويعات من نماذج الحرب "غير المتوازنة".
وبرغم الخسارة الضخمة التي أصابت قوات المارينز في تلك العملية فقد كان تصنيفها على أساس أنها نوع من "المقاومة الثورية" ـ ضد فعل نزول القوات الأمريكية في لبنان أي أنها رد فعل طبيعي في داخل الزمان والمكان.
□ ونفس الشيء جرى في تقدير الولايات المتحدة لحادث انفجار مستعمرة سكنية للطيارين الأمريكيين في قاعدة "الخبر" شرق السعودية "يونية سنة 1996"، فهو مرة أخرى فعل ورد فعل داخل الزمان والمكان.
□ لكنه من الملاحظ أن الولايات المتحدة نسبت إلى الحرب "غير المتوازية" "سياسياً" تلك المظاهرات التي صاحبت مؤتمرات التجارة العالمية والمجموعات الاقتصادية في "سياتل" "نوفمبر 1999" في أمريكا ـ و"دافوس" في سويسرا "يناير 2000" و"جنوا" في إيطاليا هذه السنة "يولية 2001" ـ وفي نفس الإطار صنفت قرارات المنظمات غير الحكومية في "دربان" في الشهر الماضي "التي اعتبرت الصهيونية ممارسة للعنصرية" كانت التقديرات أن تلك كلها من ملابسات حرب الزمن الجديد ـ الحرب "غير المتوازية" وهي ممارسات سياسية عنيفة وإن تكن غير مقاتلة.
□ ثم كان "أن صواعق نيويورك وواشنطن يوم 11 سبتمبر أصبحت بمثابة الإعلان الرسمي للحرب "غير المتوازية" ولعصرها"!

* الملاحظة الثالثة: إن الاتهام من اللحظة الأولى ـ تحت الصدمة والذهول ـ وقبل التحقيق والتدقيق ـ توجه إلى "أسامة بن لادن" الذي يتخذ من "قندهار" جنوب شرق أفغانستان بؤرة يدير منها تنظيمه السري الذي يعرف باسم "القاعدة". وتنظيم "القاعدة" قصة تعرف عنها الولايات المتحدة وأصدقاؤها في المنطقة أكثر مما يعرف أي طرف آخر، فهي فكرة لها علاقة بسياسة أمريكا في زمن الحرب الباردة، والحاصل أن المخابرات المركزية الأمريكية كانت صاحبة الفكرة فيها وغايتها التحريض على إثارة القلاقل للاتحاد السوفيتي في المنطقة الحساسة من جنوبه وهي منطقة انتشر الإسلام في عدد من أقاليمها، وبالذات جمهوريات طاجيكستان وأوزبكستان وتركمانستان. وهذه الجمهوريات في "البطن الطري" للاتحاد السوفيتي ملاصقة لأفغانستان ونتيجة ذلك أن أفغانستان أصبحت بحقائق الجغرافيا وظروف التاريخ ميداناً نشيطاً لعمل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية منذ بداية الحرب الباردة!
وكانت "أفغانستان" هي المدخل الأقرب للتجسس على عمق "الاتحاد السوفيتي" انطلاقاً من القواعد الأمريكية في "باكستان"، وكان مطار "بيشاور" بالتحديد هو منطلق طائرات التجسس الأمريكية الشهيرة من طراز "يو 2" وقد انكشف أمرها وأسقطت إحداها، وأدى ذلك إلى فضيحة مدوية في العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وبين وقائع الفضيحة تشاتم كاد أن يصل إلى حد التشابك بالأيدي بين الزعيم السوفيتي "نيكيتا خروتشوف" والرئيس الأمريكي "دوايت أيزنهاور" في الجلسة الأولى من مؤتمر قمة انعقدت في باريس سنة 1960 وكانت نفسها الجلسة الأخيرة.
والواقع أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بدأت التحريض ضد الاتحاد السوفيتي ـ باسم الإسلام ـ ومن وراء حدود أفغانستان بينما النظام الملكي يحكم في "كابول" والعرش عليه الملك "ظاهر شاه" والسلطة الحقيقية في يد ابن عمه ورئيس وزرائه السردار "داود خان".
وقد أدى التحريض إلى قلاقل أوصلت إلى عزل الملك "ظاهر شاه" وجاءت بـ "داود خان" لرئاسة الدولة في محاولة لتهدئة التحريض ولم تنجح. وكذلك وقعت سلسلة انقلابات في أفغانستان انتهت جميعاً بتدخل سوفيتي صريح في أفغانستان بدعوة "شرعية" من قائد انقلاب شيوعي هو الجنرال "بابراك كارمل" سنة 1979.
وهنا انتقلت المخابرات المركزية الأمريكية من التحريض إلى انتهاز الفرصة لحرب استنزاف خفية تشن على الاتحاد السوفيتي باسم الإسلام، وتصادف أن ذلك وقع في الأجواء العاصفة للثورة الإسلامية في إيران وتأثيراتها على ما حولها.
وكانت حرب استنزاف الاتحاد السوفيتي ـ بعد حرب التحريض عليه ـ تخطيطاً أمريكياً، وإشراف باكستانياً، وتمويلاً خليجياً "سعودياً في أكثره"، ومشاركة عربية متعددة الأطراف فيها من قدم السلاح والعتاد وفيها من قدم المجندين والمتطوعين الذين اعتبروا أنفسهم مجاهدين ضد الإلحاد.
وفي حين أن العدو الحقيقي للعرب والمسلمين كان الاغتصاب الإسرائيلي في فلسطين، فإن العمل العربي والإسلامي ذهب للجهاد في أفغانستان مقاتلاً ضد الإلحاد المادي الذي دخل من بوابات "كابول" وكانت الخطط الأمريكية محكمة، والإشراف الباكستاني حازماً "يشرف عليه رئيس المخابرات العسكرية الباكستانية الجنرال "حميد غول""، والتمويل الخليجي سخياً، وحشد السلاح وتجنيد المتطوعين شديد الهمة والعزم.
وتقول كافة الشواهد أن شباباً عربياً مسلماً أضاع نفسه وهدفه وحياته في حرب لا معنى لها ضد طرف لم تثبت عداوته لا للعرب ولا للمسلمين، لكنه اتهم بالإلحاد واختص بالعقاب رغم وجود كثيرين غيره في عالم ضاع منه الكثير من اليقين!
وكان تنظيم "القاعدة" هو القيادة التي وضعت تحت تصرفها كل إمكانيات التكنولوجيا الأمريكية، وكل مقدرة العسكرية الباكستانية، وكل كرم التبرعات الخليجية والسعودية "صندوق دوار فيه دائماً 500 مليون دولار"، وكل نشاط التسليح والتجنيد المصري والسوري والمغربي وحتى الفلسطيني "بما وصل مجموعة الكلي على مساحة خمس سنوات إلى قرابة خمسين ألف شاب مسلم نصفهم من العرب بينهم ستة آلاف مصري على أرجح التقديرات". وقد درب هؤلاء جميعاً بكل جد، وشحنوا بطاقة إيمان مشبوبة بالنار.
لكنه عندما انتهت الحرب الباردة ورفعت الولايات المتحدة يدها عن الحرب الخفية في أفغانستان وكفت المخابرات المركزية الأمريكية عن التخطيط للمعركة ضد الإلحاد الشيوعي، أصبح الاستمرار الأمريكي والعربي الرسمي غير مبرر وغير مطلوب وبالتالي وقع الانسحاب.
وحاول تنظيم "القاعدة" أن يواصل ما يقضى به الإيمان ـ لكنه ما لبث أن تحول في نظر الذين قاموا على إنشائه: من كتائب جهاد إسلامي، إلى عصابات إرهاب إجرامي.
وسقط شباب كثيرون مسلمون وعرب في هذه الفجوة بين الجهاد والإرهاب وخرجوا من زمنهم ومن المستقبل. وكانت الأنظمة التي أرسلتهم إلى الجهاد ضد الإلحاد هي نفسها الأنظمة التي استقبلتهم حين عودتهم إلى بلادهم بإيداعهم وراء قضبان السجون بتهم ثابتة في بعض الأحيان وبشكوك مستريبة مقدماً في أحيان أخرى!
                                               **
* الملاحظة الرابعة: تخض "أسامة بن لادن" نفسه، وهو شخصية يمكن فهمها بدون حاجة إلى دراسة عميقة في "علم النفس" تغوص في النوازع والهواجس الداخلية لتصرفات البشر. والقصة فيما هو شائع ـ قصة شاب من عائلة سعودية لها جذور يمنية تعمل بالمقاولات، وكان له مكتب يمارس نشاطه التجاري في أفغانستان، وعندما بدأت الحرف الخفية "ضد الإلحاد" في أفغانستان، استعمل مكتب "بن لادن" واجهة لتوصيل الأموال بشكل يبدو مشروعاً إلى أوجه من النشاط لم تكن وقتها مشروعة.
لكن الذي حدث ـ وتلك حالة طبيعية ـ أن الشاب عاش دوره لكي يتسق مع ضميره فاعتبر نفسه مسئولاً عن محاربة الإلحاد وتلبس بالكامل دوره، وذهب بعيداً في تصديق الوهم، خصوصاً عندما جرى الانسحاب الأمريكي ولحقه الانسحاب العربي الرسمي تمويلاً وتسليحاً وتعبئة!
ذلك أنه عند هذه النقطة كان "أسامة بن لادن" أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن ينسحب من الساحة هو الآخر وبالتالي يصبح أمام نفسه وأمام الآخرين مجرد وكيل للمخابرات المركزية الأمريكية وكفيل لأصدقائها من الآسيويين والعرب ـ أو يواصل "المهمة" على مسئوليته ليؤكد لنفسه ولغيره أنه كان طول الوقت مجاهداً وقائداً للمعركة ضد الإلحاد.
ومع أن المعركة في أفغانستان بعد الانسحاب السوفيتي لم تعد لها صلة ـ ولا حتى بالادعاء ـ بين إيمان وإلحاد، وإسلام وكفر، لأنها أصبحت حربا بين قبائل وعشائر ومشايخ، فإن "أسامة بن لادن" ظل يقود تنظيماً بلا قضية في أرض بلا هوية "لأن الماضي إذا أصبح هوية أضاع قيمة الحياة ومعنى التاريخ".
وكان أن الرجل لم يجد لنفسه خياراً آخر رغم أن الحصار أخذ يطبق عليه، ورغم الأمراض التي أصابته، والتي تقدر وكالة المخابرات الأمريكية المركزية أنها تهدده بالموت فيما بين سنتين إلى ثلاث سنوات على أكثر تقدير!
وفي الواقع فإن قصة "بن لادن" أصبحت شبيهة بأسطورة الوحش الذي خلقه الدكتور "فرانكشتين" في الرواية الشهيرة لـ (ماري شيلى) وكان قصد الدكتور (فرانكشتين) في الأصل أن يثبت قدرة العلم على معجزة الخلق، لكن القصد خاب لأن الحياة ليست "كياناً" يتحرك وإنما هي في الوقت نفسه "روح" تنبض، ووقع فعلاً في الرواية أن الحياة المصنوعة هددت صانعها، واضطر العالم إلى درء خطر معجزته عن نفسه، وقام بتدمير الوحش الذي صنعه وتفكيك أجزائه بالتكسير وبالحرق والصعق!
وذلك بالضبط ما يجري الآن. مع أن "بن لادن" ليست له قوة وحش "فرانكشتين" فهو على وجه القطع لا يستطيع أن يخطط أو يدير أو يسيطر على عمليات من نوع صواعق نيويورك وواشنطن، فضلاً عن أنه لا يظهر ما يؤكد أن صواعق "نيويورك" و"واشنطن" مسألة لها علاقة بحق عربي مغتصب في فلسطين أو بحق إسلام يتهم بما ليس فيه هذا الزمان، والواضح أن المسألة أوسع من ذلك وأعم، والأغلب أنها تتصل بعولمة الرفض والإرهاب أكثر مما تتصل بخصوصية القضايا العربية أو الإٍسلامية!
ولعل الأهداف المباشرة لصواعق النار دليل على صحة هذا الظن ورجحانه. فالأهداف هي: البرجان الشهيران "التجارة" على طرف جزيرة "مانهاتن" في نيويورك "رمز الرأسمالية الأمريكية والعالمية"، ثم مبنى "البنتاجون" رمز القوة العسكرية الإمبراطورية المصرة على الهيمنة وهو على طرف واشنطن.
……………..
……………..
* الملاحظة الخامسة: سؤال يصعب تجنبه، وتستعصي الإجابة عنه، والسؤال متشعب:
□ إذا لم يكن "بن لادن" ـ فمن؟
□ وإذا وقعت الإشارة إلى تحالف الرفض العريض الذي "تعولم" هو الآخر ـ فأي العناصر ضمن هذا التحالف كانت الأقرب إلى صواعق النار التي نزلت فوق نيويورك وواشنطن؟
□ ثم ما هو المطلوب وراء ما جرى ـ باعتبار أي فعل طلبا؟
وكان هذا السؤال شاغل كثيرين، ومن المفارقات أن الصراخ علا بأنه "بن لادن" في حين كانت هناك ـ وبدون صراخ ـ جهات مسئولة "أوروبية على وجه الخصوص" تطرح تصورات مختلفة بعضها فيه الكثير من إمكانية التصديق!
وبين ما يطرح الآن ـ وحتى في "بروكسل" عاصمة حلف الأطلنطي ـ تصور مختلف يستبعد "بن لادن" ويعرض بناء كاملاً هو دلالة شواهد، أكثر منه رباط وقائع. وهو تصور يستحق الاعتبار.
دلالة الشواهد تعرض خطا متصلاً ملخصه:
□ إنه بالفعل يصعب وفق أي تقدير سليم نسبة ما جرى فوق نيويورك وواشنطن إلى "إسامة بن لادن" أو تنظيم "القاعدة" الذي يتزعمه. والصعوبة لا تنشأ من حقيقة أن العملية التي وقع تنفيذها تتخطى إمكانيات "بن لادن" العملية والتنظيمية والإنسانية، لكن الصعوبة إلى درجة الاستحالة تنشأ من أن "بن لادن" كان خلال الفترة الأخيرة، بعد حادثة تفجير المدمرة الأمريكية "كول" ـ موضع رقابة لا يستطيع الإفلات منها، بمعنى أنه يستطيع إخفاء نواياه في صدره، ويستطيع إخفاء تفاصيل حياته داخل الكهوف التي يكمن فيها، لكنه في حالة الترتيب والتخطيط وتنفيذ عملية على مستوى ما وقع في نيويورك وواشنطن لا يقدر على إخفاء شيء ولو ليوم واحد في عملية استغرق الترتيب لها مالا يقل عن سنة كاملة، وشارك في الإعداد لها ما لا يقل عن مائة موقع في أمريكا وأوروبا، ودخل في مهام تنفيذها ما لا يقل عن خمسين رجلاً "وربما امرأة".  
وما هو ثابت أن "بن لادن" وتنظيمه ليس مراقباً فقط، ولكنه مخترق من جانب أجهزة أمن محلية، أو لها مخابرات باكستان العسكرية والمدنية، وهي الراعي الأساسي لمعركة ((طالبان)) ثم مخابرات الهند وهي مهتمة بتنظيم "القاعدة" بسبب ظهور بعض أعوان "بن لادن" في "كشمير" بالإضافة إلى خمسة أو ستة أجهزة مخابرات عربية وأوروبية.
□ والشواهد تكاد تنطق بأن "الفاعل" طرف مستجد على الساحة، لم يراقب من قبل، وليست له سوابق تضعه في دائرة المراقبة، وذلك مكنه من تواجد لم يلفت الشبهات في مواقع استكشف فيها ودرس أثناء التخطيط، ثم استوثق منها وتأكد أثناء الاستعداد للتنفيذ، ثم ظهر في المواقع التي استكشفها وأعدها وفعل ما فعل في تلك الساعات المشحونة بالقلق ـ وهي أربع ساعات غيرت العالم تقع بين السابعة والحادية عشرة من صباح يوم الثلاثاء 11 سبتمبر من توقيت شرق الولايات المتحدة الأمريكية.
ولم تكن هذه الساعات الأربعة الحاسمة تسللاً أو تخفياً، وإنما كانت خطى وإجراءات عادية تحت سمع وبصر مئات الموظفين معظمهم من ضباط المخابرات والأمن والجوازات والجمارك في مطار من أكثر مطارات أمريكا ازدحاماً "مطار بوسطن"  ـ وكذلك في دائرة كاميرات ثابتة ومتحركة قائمة في كل زاوية لكي تكشف كل ركن.
ومما يزكى أن "الفاعل طرف جديد، أن الخيال الذي استعمله غير مطروق ـ غير مسبوق ـ مع التسليم بأن الخيال القديم حتى مع مقدرته على التجديد يظل دائماً على صلة بالتجربة، في حين أن الخيال الجديد لديه جسارة أن يجرب في المطلق دون حاجة إلى أرضية سبق التعرف عليها، أو سقف تحدد ارتفاعه بالممارسة.
ويزكي حقيقة أن "الفاعل" طرف جديد ـ أنه قدم مستوى علمياً ممتازاً في دراسته لخطته لم يظهر من قبل. فهذا "فاعل" يدخل المطار حاملاً حقيبته ـ وسلاحه ينتظره وراء بوابات ركوب الطائرات بعد انتهاء كل إجراءات السفر والأمن ـ وهو واثق من كمال استعداده بما في ذلك طاقة التفجير، لأنها خزانات وقود كافية للسفر ست ساعات في الجو من الساحل الشرقي للولايات المتحدة نحو الساحل الغربي. و"الفاعل" لديه بعد ذلك كفاءة أن يستولي على الطائرة التي صعد إليها وتحويلها إلى قذيفة يستطيع توجيهها إلى هدف قرره. والهدف سبق اختياره بمعناه الرمزي في "نيويورك" العاصمة الاقتصادية للولايات المتحدة أو في "واشنطن" العاصمة السياسية. ثم إن نقطة الاصطدام بالهدف حساب هندسي دقيق يريد أن يصطدم على مساحة الارتفاع القائمة ما بين الدور الستين والدور السبعين لكي يكون حمل الأنقاض النازلة من أعلى إلى أسفل كافياً ليهوى ببرج التجارة المستهدف راكعاً غائراً في حفرة غاص فيها دون أن يتبعثر أو يتناثر إلى بعيد.
□ إن "الفاعل" تحركه دوافع نفسية مختلفة بالكامل عن التصور العربي للحركة المطلوبة إزاء الولايات المتحدة، بمعنى أن مطلب العرب من أمريكا أن تضغط على إسرائيل، وهذا الضغط ـ في حد ذاته ـ لا بد أن يكون بعيار ومقدار بان مرات متعددة في عمليات سابقة سببت أضراراً جسيمة ومع ذلك تركت قنوات مفتوحة!
لكن "الفاعل" صباح الثلاثاء 11 سبتمبر لم يظهر راغباً في التأثير أو مباشرة الضغط بمختلف درجاته، بل لم يكن في شكل فعله أنه يبعث بإشارة ـ حتى لو كانت دموية ـ إلى المستقبل، ولم يترك ثغرة لفرصة. وإنما كان "الفاعل" كما تقول كافة الإشارات غاضباً، وكان مصراً على الانتقام، وفي الغالب من شيء وقع.
وفي كل ما عرفه العالم في مجالات ما يسمى بـ "الإرهاب" فقد كان ما بدا من هدف العمليات في كل المرات إحداث أكبر "كمية" من التأثير السياسي تزيح من الطريق عقبات أو تفتح على الطريق مخرجاً، أما ما جرى في نيويورك وواشنطن فلم تكن فيه سياسة ولم يكن فيه "قبل" و"بعد"، وإنما تبدى العمل مكتفياً بذاته ـ مقدمة ونتيجة ـ وكل شيء!
ضربة انتقام أو ضربة عقاب يحركها انضباط صارم من اللحظة الأولى وحتى المشهد الختامي!
□ وتكاد تحركات "الفاعل" وحتى مزاجه في الفعل توحي بأن التخطيط "عسكري". فذلك بالفعل مستوى الترتيب والتنفيذ، وعقلية ونفسية الإدارة، مع تصور "نظامي" شديد الوضوح، فهناك "تجهيز معركة"، وهناك "تدريب معركة"، وهناك "أرضية وخطوط إمداد معركة"، وتلك شواهد على أنه إذا لم يكن هناك شكل لـ "تواجد" عسكري ملموس فإن هناك ظلا لتواجد عسكري محسوس.
والتواجد العسكري المحسوس مع برودة أعصاب تتجلى في الصبر الدءوب على التفكير والتخطيط والترقب والتنفيذ ـ يبدو مستعداً بتصميم محكوم بإرادة أكبر من أن تنتسب إلى الانفعال ـ لمواجهة انتحار مؤكد. وذلك نوع من الفعل ظهر مفعوله ـ بدرجات متفاوتة ـ في مسار صراعات تاريخية انكسرت فيها وطنيات وحوصرت هويات، وضاقت نفوس بما عانت وقاست، وتحملت به وخضعت له.
………………
………………
والذين يطرحون هذا التصور ـ وغيره ـ في أوروبا وحتى في عاصمة حلف الأطلنطي يصلون في النهاية إلى أن تلك الإشارات تكاد أن تكون لمسات فرشاة تمزج البقع بالأسود والرمادي والأحمر، وترسم لوحة عليها مساحات شديدة الغموض مفتوحة للخيال والتأويل. وكان أكثر ما تثيره لمسات الأسود والرمادي والأحمر مشاعر وهواجس تستعيد شروط "الفاعل" وهي تلفت النظر إلى "البلقان" وصراعاته وبالتحديد إلى عناصر "صربية".
هناك قومية اعتدى عليها وجوداً ومشروعاً وكرامة.
وهناك جيش تم ضربه وتمزيقه وأهانته.
وهناك شعب تعرض لغارات الأطلنطي تتقدمها أساطيل الجو الأمريكية لمدة خمسين يوما.
وهناك زعماء سياسيون وعسكريون مهزومون، بعضهم مطارد وبعضهم مطلوب لقانون أملته شروط الغلبة، بل إن بعض الرموز الصربية وراء قضبان السجون فعلا.
وفي بقايا الجيش الصربي عناصر لديها المؤهلات المطلوبة، ولديها طاقة الغضب الجامحة، ولديها التصميم على الانتقام والثأر مهما كان أو يكون، ولديها جسارة المخاطرة بملاقاة الموت دون اعتبار هذا النوع من الموت انتحاراً.
بالإضافة إلى ذلك فإن تلك العناصر الصربية مستوفية كل شروط "الفاعل" كما وقع توصيفها: قادم جديد إلى الرفض ما زال خياله غير محدد. وليست له سجلات سابقة تلاحقه وتتابعه خارج دائرة معينة.
ولديه الشحنات والطاقات والقدرات والمهارات التي تهيئُه لتطاير الشرر.
وكانت شهرة "البلقان" في التاريخ الحديث أنه "برميل بارود" تسبب في الحرب العالمية الأولى التي قادت إلى الحرب العالمية الثانية ـ وهذه الحرب العالمية الثانية أضافت إلى "البلقان" "برميل بارود" جديداً في الشرق الأوسط.
………………..
………………..
ومع ذلك فربما تجاورت "براميل البارود". "برميل" الشرق الأوسط " "بن لادن" أو غيره" ـ و"برميل" البلقان "الصرب وما حولها و"براميل" بارود ثالثة أو رابعة، ثم تفجرت كلها صواعق نار فوق نيويورك وواشنطن. وقذفت بالعالم إلى حافة حرب من نوع جديد، هي الحرب "غير المتوازية".
وفيما يظهر من العينة الأولى فهي نوع الحرب الأخطر.
وبدليل صواعق نيويورك وواشنطن، فهذه موقعة لا مثيل لها في تكثيف الصدمات إذا قيست بغيرها من أزمنة سابقة:
□ الإحساس بالإحباط فيها ـ بعد دقائق ـ زاد على كل ما راكمته حرب "كوريا" وحرب "فيتنام" على الأعصاب الأمريكية طوال عشرين سنة!
□ والخسائر المادية على مدى الأسبوع الأول من العملية تساوى تكاليف الحرب العالمية الثانية وقد دفعتها أسواق العالم وكان النصيب الأكبر منها خسائر السوق الأمريكية، وتقديرها الأولى "2 تريليون دولار" "نصف إجمالي الدخل القومي الأمريكي هذه السنة".
□ والتضحيات من أرواح البشر بضربة واحدة أكثر مما تكبدته أمريكا في أي معركة عسكرية خاضتها ولم يكن هناك جبهة ولا ميدان قتال ولا تحركات جيوش تهييء نوعاً من الإنذار المبكر "وعلى سبيل المثال فهي أكثر من كل الخسائر البشرية المصرية في معارك سنة 1967".
…………………
…………………
لكن الأسوأ هو الضرائب السياسية، المادية والمعنوية. بمعنى أنه في إطار حرب "غير متوازنة" تستطيع أمريكا بالقوة العسكرية أن تعيد أفغانستان إلى العصر الحجري "وأفغانستان لم تبتعد عن هذه العصر كثيراً"، لكنه وكما يبدو من الوثائق الأمريكية ـ فإن الولايات المتحدة بإجراءاتها وفق استراتيجية الحرب "غير المتوازية" على وشك أن تعيد نفسها إلى وضع قريب الشبه بأوضاع العالم الثالث ـ أبوابه المغلقة ونوافذه المسدودة.
وكذلك يصل الحلم الأمريكي حتى يحبس نفسه في قفص من الخوف يحرسه وزير "للأمن الداخلي" في بلد يتباهى أصحابه يسمونه "الولايات المتحدة الأمريكية" ـ وليس "الجمهوريات الاتحادية السوفيتية"!!
من نيويورك إلى كابول وبالعكس!
عن الأزمة والحرب!
كان ترتيبي قبل أن تقع الواقعة في نيويورك وواشنطن يوم 11 سبتمبر الأخير، أن أقصد إلى بعض عواصم أوربا، ومنها إلى الولايات المتحدة: واشنطن ونيويورك. وجرى تجهيز إجراءات السفر وتحدد موعده في الصباح الباكر من يوم 17 سبتمبر وهو يوم أربعاء، وخط سيري المرسوم أن أتوجه إلى لندن لأيام معدودة، ومنها عبر المحيط إلى نيويورك في عطلة نهاية الأسبوع، وبحيث أكون يوم الاثنين التالي "16 سبتمبر" في واشنطن بادئاً اليوم من أوله، باحثاً عن الأحوال والاحتمالات كما تبدو في العاصمة الأمريكية التي أصبحت ـ أعجبنا أو لم يعجبنا ـ عاصمة القوة في العالم ومركز القرار في مصائره..
وكنت على معرفة بأن هناك "نوايا" و"خططا"، فرغت الإدارة الحالية في الولايات المتحدة، مع ربيع هذا العام "2001" ، من بلورتها ـ وهي على وشك أن تطرحها للتنفيذ على اتساع قارات العالم وفيها المنطقة التي تعنينا أكثر من غيرها وهي منطقة الشرق الأوسط.
وبالفعل فقد كنت اطلعت على نصوص تقرير رئاسي أمريكي بشأن استراتيجية جديدة جرى اعتمادها من جانب الإدارة الأمريكية لمستقبل العمل في هذه المنطقة، وشغلني التقرير، حتى أنني عرضته على صفحات هذه "المجلة" "في عدد أول سبتمبر" ـ ثم رأيت الارتحال عبر البحر وعبر المحيط باعتقاد أن هناك الكثير مما يمكن استجلاؤه والبحث في تفاصيله: سؤالاً، وجواباً، وحواراً وفهما بقدر ما هو ممكن.
وعصر يوم الثلاثاء 11 سبتمبر، كانت الترتيبات في مواضعها، بما في ذلك مواعيد اجتماعات حرصت أن أضمن لها وقتاً يكفيني، ولقاءات على الإفطار والغداء والشاي والعشاء متواصلة، وهي مناسبات للكلام أكثر منها مناسبات للطعام.
وفجأة وكنت أطل على قناة CNN فوق شاشة التليفزيون ـ توافقت نظرتي الأولى بمحض مصادفة مع إشارة تقطع البرامج بخبر طارئ، يفيد أن طائرة مدنية اصطدمت بأحد برجي التجارة الشهيرين في نيويورك، ولدقائق تصورت أنها حادثة وقعت بسبب طيار ضل مساره أو أخطأ ارتفاعه، فارتطم بناطحة سحاب، تمثل هي وتوأم لها، أظهر العلامات عل خط الأفق الشهير لمدينة نيويورك.
ورحت أتابع ما بدا لي ـ رغم مأساويته ـ حدثاً عادياً يقع مثله كل يوم مع اختلاف الظروف والمواقع. ثم استجد بعد دقائق ما ظللت لبعض الوقت غير قادر على تصديقه، فقد ظهرت على حافة شاشة التليفزيون طائرة ثانية، اخترقت الصورة بسرعة، ثم نفذت في البرج الثاني، ومع أنه كان من العسير على أي عقل أن يستوعب معنى ما جرى، فإن الحقيقة كانت أمام العيون تفرض يقينها، حتى وإن كانت هذه الحقيقة عصية على التصديق، متفوقة على الخيال، داعية إلى الانبهار قبل إدراك أن الصور وراءها ـ بالضرورة ـ مصائب ومآسٍ إنسانية.
ثم يزداد عمق الفجوة بين الصورة المبهرة والحقيقة الدامية، عندما يبدأ البرجان التوأمان ـ العملاقان ـ في الانهيار ـ من الداخل كأنهما صرح يسقط راكعاً على ركبتيه مكوماً على الأرض ومن حوله جبال من ركام الحديد والحجر، فوقها كتل اللهب المتهاوية تسحق أجساداً وأرواحاً ولحماً ودماً وآمالاً وطموحات دهمها الموت، وهو موت رهيب بآلامه وعذابه، وخصوصاً أن زمان المأساة طال ما بين اصطدام الطائرة الأولى ببرج التجارة الأول، والثانية بالبرج الثاني، وتهاوى التوأمان العملاقان بثقلهما المخيف على ما بين خمسة آلاف إلى ستة آلاف من البشر ـ وهو زمان طال مداه قرابة الساعتين، يعلم الله ما جرى فيهما.. وكيف؟
ولبعض الوقت دار في خلدي أن ما وقع أمام عيني وأمام عيون مئات الملايين من الناس، يحرض على السفر أكثر مما ينهى عنه، فما جرى هو بالنسبة للصحفي حدث مهوّل ـ لكن صوت النهي كان مسموعاً من حولي وأسبابه متنوعة. وعندما دخل الليل، كانت الأنباء تقول أن عاصفة النار والدمار فوق نيويورك وواشنطن فجرت بعدها إعصار غضب وجنون، اجتاح الولايات المتحدة الأمريكية من الشرق إلى الغرب، ووصلت آثاره بعيداً وعميقاً، وأن كل ما هو عربي ومسلم أصبح معرضاً ومكشوفاً، ولم يكن ذلك في حد ذاته ما جعلني أغير رأيي، وإنما غيرت رأيي لإدراكي أنه بعد كل ما جرى فلن أكون حيث أذهب سائلاً، وإنما سوف أكون مسئولاً، ولن أكون زائراً يرغب في السماع، وإنما "صاحب بيت" ـ مفروض عليه أن يتكلم، ولم أكن على استعداداً لأكثر من سبب:
فيها أنني في شأن ما جرى متابع مهتم، وليس طرفاً ضليعاً في الموضوع وخباياه. وفيها أن ما لدي من الأسئلة، كان كثيراً قبل الواقعة، ثم أضيف إليه الأكثر بعد الواقعة.
وفيها أنه ليست عندي إزاء ما رأته الدنيا بأسرها إجابات، وحتى إذا كانت عندي اجتهادات ـ وليس إجابات فليس يعنيني الآن طرحها بقدر ما يعنيني أن أسمع غيري إذا توصل لشيء. مع أن الإشارات الأولى كشفت أن الكل مذهول بالمفاجأة، مأخوذ بصورها، مروع بالمأساة بعد المفاجأة ووراء الصور، ثم إن المزاج العام ساخن وكذلك منفلت!
وهكذا ـ وفي اللحظة الأخيرة ـ قررت إلغاء ترتيبات السفر، بترجيح أن المتابعة الآن أفضل عن طريق سيل من الرسائل لا ينقطع على الإنترنت، وصور لا تتوقف على شاشات التليفزيون، إلى جانب ما تحمله صحافة العالم وكلها واصلة إلى القاهرة في ساعات، ثم إن المتابعة من مسافة ـ كذلك قدرت ـ أدعى إلى فهم أقل توتراً، وبالتالي أكثر تأنياً "إذا كان ذلك ممكناً".

ومضى أسبوع وثان وثالث، ثم عاد الصحفي داخلي يذكر بنفسه ويلح، فسيل الرسائل على الإنترنت مفيد، وشرائط الصور على شاشات التليفزيون معبرة، وصحافة العالم الواصلة تعطى تغطية عريضة شاملة. لكن الصحفي يحتاج أكثر، يحتاج أن يرى بعينيه، وأن يسمع بأذنيه، وأن يلمس بأصابعه، وأن يجلس مع ناس يعرفون، في مواقع تسمح لهم بأن يعرفوا، وأن يسأل ويستجوب ويجادل ويسعى بالحق الطبيعي لمهنته كي يوفر لنفسه رؤية واضحة، على الأقل كافية ـ إذا جاء عليه الدور ليقول ما عنده، بعضه أو كله، وبقدر ما تسمح له الظروف!
وهكذا بعد انتظار ثلاثة أسابيع، عدت أحرك واستعجل إجراءات السفر. ومن باب الاحتياط، فقد تصورت أن أبدأ ببعض العواصم الأوربية، وبعدها أفكر إذا كان عبور المحيط إلى أمريكا مفيداً، أو أن مناخ الهستيريا الذي تملك الجميع ـ ولهم العذر فيه ـ ما زال مستحكماً، وإذا كان "ذلك كذلك" "كما يقول الفقهاء تجنباً لتكرار الحيثيات في أية فتوى" ـ إذن فإن السفر يمكن اختصاره، ويكون اقتصاره على أوربا وحدها.
وهكذا كان. والحقيقة أنني لم أندم على الاختصار والاقتصار على أوربا، فما يصلني من الولايات المتحدة كان مزعجاً، ثم إن تجربة شخصية مباشرة ـ ولو أنها واحدة لم تتكرر ـ في لندن زادت من إقناعي، بأنني لم أخسر كثيراً حين بقيت في أوربا ولم أقارب شواطئ المحيط!
ملخص التجربة: إنني دعوت على العشاء ذات ليلة في لندن صديقاً قديماً هو "السير مايكل وير"، الذي كان لسنوات طويلة سفير لبريطانيا في القاهرة، ومعه قرينته "الليدي وير" وقد وصلنا جميعاً إلى مطعم "سانتيني" متأخرين وعبرنا بسرعة إلى مائدة تنتظرنا.
وبدا لي ونحن نمر بالموائد في طريقنا إلى مكاننا أن الجالسين على مائدة قريبة منا ينظرون نحونا ويدققون، ولم يكن صعباً أن أشعر أنهم تعرفوا عليّ من صورة كبيرة وسط حديث طويل أجراه معي الصحفي اللامع "ستيفن موس"، ونشره بعرض صفحتين في "الجارديان" أمس، ثم إن "الايفننج ستاندارد" أعادت نشر الحديث بالكامل، ومعه نفس الصورة وبذات الحجم هذا المساء. وفي ذلك الحديث "مكررا يومين متتاليين" فإنني ـ إلى جانب كثير قلته ـ انتقدت بعض ممارسات السياسة الأمريكية في المنطقة.
ولم ألتفت إلى أن الذين تعرفوا عليّ لهم ـ كما ظهر فيما بعد ـ رأي بشأن ما قلته. وعلى أية حال فقد اتخذنا مقاعدنا حول المائدة المحجوزة لنا، وجاءت قائمة العشاء وطلبنا ثم جرى بنا الحديث مجراه ووصلنا إلى ما وقع في أمريكا وهو وقتها وحتى الآن شاغل الدنيا بأسرها وليس مائدتنا وحدها. وانقضى نصف الساعة تقريباً وكنت منهمكاً في الحوار مع "مايكل"، حتى لفتت قرينته هيلاري "ليدي وير" انتباهي لسيدة أقبلت تقف إلى جواري، ويبدو أنها تريد أن تتحدث معي، وألتَفتُّ وإذا سيدة طويلة القامة حسنة الهندام تقول بعصبية: "مهما كان ما تقول أو تقولون، فالله يبارك أمريكا". وقلت لها بصدق: "إنني أرحب أن يبارك الله أمريكا ويبارك أوطان الناس كلهم".
وردت وهي تدير ظهرها: "لا.. فليبارك الله أمريكا وحدها وليذهب الآخرون جميعاً إلى الجحيم".
ولم أغضب، ولكن "هيلاري" "ليدي وير" غضبت، وهمَّت بالرد تقول للسيدة الأمريكية: "إنها لا تملك حق أن تفقد أعصابها مع الناس".
وجاء صاحب المطعم السنيور "سانتيني" نفسه وهو فنان له مؤلفات عديدة عن المطبخ الإيطالي، ومطبخ فينيسيا بالتحديد، كما أنه رجل تربطه صداقات ودودة مع كثيرين من رواد مطعمه الأنيق، "وكانت ضمنهم الأميرة ديانا وكوكبة لامعة من أصدقائها، والملك حسين وقرينته الملكة نور، والسيدة مارجريت تاتشر وقرينها دنيس". وقد جاء السنيور "سانتيني" محرجاً، يحاول أن يعتذر، وهو يستغرب أن السيدة الأمريكية ـ وهي زوجة مليونير أمريكي يزور لندن مرتين أو ثلاثاً في السنة، ويملك بيتاً كبيراً في ميدان "تشستر" القريب وهو من أرقى المواقع في حي "بلجرافيا" ـ خرجت عن الأصول. وكان رأيي أن ما فعلته الأمريكية "المليونيرة" ليس فيه ما يستوجب حرجه أو اعتذاره، لأنه أمر "وارد" في ظل هذه الأجواء، لكن "ليدي وير" كان لها رأي آخر.
وعلى أية حال، فقد زاد اقتناعي ـ بعدما سمعت في لندن تفاصيل مستفيضة عما جرى لكثيرين من العرب المسلمين في الولايات المتحدة ـ بأنني  فعلت صواباً باختصار رحلتي واقتصارها على شرق المحيط، وكذلك ظللت مدة الثلاثة أسابيع التي قدرتها لسفرتي، ملازماً للشاطئ الأوربي للأطلنطي مستغنياً عن عبور المحيط إلى الغرب الأمريكي، وربما أن ذلك كان أكثر توافقاً مع ميلي وحواسي وبظن أن الإمبراطوريات القديمة مهما كان خلافنا معاً، لديها حكمة التجربة وتوازنها بينما "الإمبراطوريات الجديدة" لديها غرور القوة إلى جانب وحشية الإعلام وطغيان الغنى!
****
وطوال ثلاثة أسابيع من البحث في عواصم أوربية متعددة ـ ملاحظاً، ومتابعاً أكثر المرات، متكلماً في أقلها ـ كان في ذاكرتي قول شهير للرئيس الأمريكي الأسبق "دوايت أيزنهاور" ـ جمع خلاصة خبرته قائداً أعلى لجيوش الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، ورئيساً للولايات المتحدة الأمريكية ثماني سنوات ـ وفيه يقول: "إن السياسات الطيبة لا تضمن النجاح أكيداً، ولكن السياسات السيئة تضمن الفشل محققاً".
وذلك هو محور حديثي اليوم ـ لكنني قبل الخوض فيه أقترح الالتفات بسرعة إلى عدد من الإشارات
 
الإشارة الأولى:
الإمبراطوريات الحائرة والطرق المسدودة!
باريس:
في باريس تفهم عميق لحق الشعب الأمريكي في الغضب وحق الإدارة الأمريكية في العقاب، لكن.. هناك نوعان من الفهم:
نوع يرق بالتعاطف أحياناً ـ ونوع يقسو بالنقد أحياناً أخرى. وفي الحالتين فإن المنطق القانوني الفرنسي يعرض نفسه ـ بالرقة أو بالقسوة متكاملاً: وخلاصته: إن هناك فيما وقع يوم 11 سبتمبر جريمة شنيعة.. وذلك أمر لا يجادل فيه، ولا يستطيع أحد. لكن كل جريمة تحتاج إلى تحقيق يطرح عدة أسئلة:
1ـ كيف وقعت الجريمة؟
2ـ وبالتالي من ارتكبها؟
"ومن الواضح أن الإجابة عن السؤال الأول هي الأساس الذي تقوم عليه إجابة السؤال الثاني".
3ـ يلي ذلك أن الجرائم لا تحاكم بنيران الجيوش، وإنما بنصوص القانون، والاختصاص فيها للبوليس والمحاكم، وليس للطائرات والصواريخ.
4ـ وعند المحاكمة وقبل الحكم، فإنه يتحتم أن تكون الفرصة متاحة للاطلاع على الأدلة، والقرائن، وسماع الشهود، والتثبت من وقوع المسئولية، بحيث تكون للحكم مشروعيته "لأن الجريمة تستغني عن المشروعية، لكن القضاء لا يستطيع"!
………………
………………
[وحين سمعت أن باريس تتفهم الدواعي التي حدت بالإدارة الأمريكية، إلى أن تتصرف بسرعة وإلى أن يكون تصرفها سريعاً وقوياً، حتى وإن لم تكن لديها خطة مدروسة ومتكاملة ـ فقد تذكرت مرة سنة 1982، قابلت فيها الرئيس "فرانسوا ميتران"، وأيامها كانت الحرب الأهلية في لبنان على أشدها ـ وكان حادث خروج قوات مشاة البحرية الأمريكية من بيروت بعد عملية فدائية لحزب الله راح فيها أكثر من 170 قتيلاً ـ ماثلاً في الأذهان، ومعه حادث مشابه أقل حجماً في خسائره ضد القوات الفرنسية. ويومها سألت الرئيس الفرنسي عن السبب الذي دعا فرنسا في ذلك الوقت إلى تحريك أسطولها في البحر الأبيض، ثم إن إحدى بوارجه وهي البارجة "جان دارك" راحت تقترب من الشاطئ اللبناني، حتى تكاد تلامسه، لكنها تستدير عائدة إلى عرض البحر، ثم تقترب ثانية وتعود ثانية، ويتكرر المشهد مرات ومرات بطريقة بدت غير منطقية.
وسألت الرئيس ميتران أثناء لقائنا، وأنا ساعتها ضيفه على الإفطار:
"عما كانت تفعله البارجة "جان دارك" قاصدة عائدة أمام شواطئ لبنان، وما كان القصد منه والحكمة"؟
ورد الرئيس الفرنسي قائلاً: "إن ذلك كان طبيعياً" بل و"ضروريا".
ولم أقتنع، وواصلت سؤالي عن وجه الطبيعة والضرورة فيما فعلته "جان دارك" "البارجة!" وتردد الرئيس ميتران "وأكاد أقول تلعثم!"، وإحساسي بينما كنت أتأمله أن المثقف فيه يغالب رئيس الدولة وكذلك قال:
"لك أن تعتبرها نوعاً من الحركة العصبية. التشويح بأطراف الجسم "استعمل الرئيس ميتران تعبير "Gesticulation Politique" ".
ثم أضاف:
"إنه يحدث للدول ما يحدث للأفراد حين يواجهون مواقف تقتضي منهم أن يتحركوا، ـ ثم يكتشفون أن الخيارات المطروحة أمامهم لم تنضج بعد، وللحظة فإنهم بدلاً من الكلام "يشوحون"، أي تتحرك أعضاء جسمهم تعبيراً عما يريدون فعله. وهم لحظتها لا يقدرون".
ويستطرد الرئيس ميتران: "لك أن تعتبر أن "جان دارك" وقتها كانت في ذلك الموقف، تعبيرا عن قوة فرنسية تفرض عليها الدواعي أن تفعل شيئاً، لكن الحقائق على الأرض تمنعها منه: "لنقل أننا لحظتها كنا "نشوح" بالصوت والحركة".
وقلت: إنني الآن فهمت]
………………..
………………..
وبعد قرابة عشرين سنة "أكتوبر 2001"، كانت القوة الأمريكية في وضع مشابه، فالدواعي الملحة تفرض عليها أن تتصرف، وترد بكل الوسائل كي تخفف من ثورة الشعب الأمريكي، وتهيئ له أنه "أخذ بثأره وانتقم".
لكنه في تلك اللحظة كانت الحقيقة غائبة، والمشهد فوضى، والخطط لمواجهة هذا الذي حدث في نيويورك وواشنطن غير جاهزة أو غير كاملة "رغم أن هذا النوع من الخطر في عصر الحروب غير المتوازية، وهي حروب القرن الحادي والعشرين كانت واردة بالتقدير المسبق على الفكر"، لأنه كان صعباً على العقل استيعاب هذا النوع من الخطر حين وقع بالفعل. وكذلك لم تكن الخطط جاهزة أو لم تكن كافية!
وفي الحالة الأمريكية، فإن رئيس الولايات المتحدة لم يكن يقدر على التصرف كما تصرف الرئيس الفرنسي في موقف مشابه. مع وجود أوجه توافق بين الحالتين وأوجه خلاف:
○ أوجه التوافق: إن هناك حدثاً يطلب رداً، لكنه في غموض الوقائع وفوضى الشواهد وغياب الخطط، فإن هدف التصرف لم يكن واضحاً، وهكذا بدأ التشويح والتعبير بلغة حركة اليدين والقدمين، وأعضاء البدن "بما فيها ملامح الوجوه ونظرات العيون وطلوع الحواجب ونزولها!".
○ وأما أوجه الخلاف فهي أن "عقل" القوة الفرنسية فرض عليها أن تتوقف بعدما أسماه ميتران بـ: التشويح السياسي Gesticulation Politique ـ لكنه في حالة أمريكا فإن جموح القوة الأمريكية دفع بالرئيس الأمريكي إلى ما هو أبعد، مع تزايد الضغوط عليه.
وكذلك اختار رأس القائمة الجاهزة للمشتبه فيهم "وهو تنظيم القاعدة"، وقرر أن يضرب، عارفاً أنه لا يملك فرصة ـ أو ترف ـ الانتظار.
……………….
………………
[والحاصل أنني عرفت أن جورج بوش الأب كان أكثر من ألحوا على "جورج بوش" أن يتصرف بسرعة، وسمعت أنه قال له بعد عشاء عطلة نهاية الأسبوع في كامب دافيد ما مؤداه أنه: "ليس أمامه غير أن يضرب بسرعة لأن "العجز" هو الخطيئة التي لا تغتفر لأية سياسي، وتلك خلاصة تجربة عمره في العمل السياسي. وأن الناس يغفرون للرئيس إذا بان خطؤه، لكنهم لن يغفروا إذا تبدى عجزه"!]
……………..
……………..
الإشارة الثانية:
1100 تسجيل تليفوني لبن لادن!
لندن:
وفي باريس وفي روما وفي لندن "وفي غيرها من العواصم الأوروبية"، إحساس بأن الولايات المتحدة استعملت قواتها العسكرية بسرعة ضد إسامة بن لادن ـ الموجود وسط حركة الحاكمة "ساعتها" في معظم أفغانستان ـ دون أن يكون لديها اليقين الكامل بأنه يتحمل مسئولية 11 سبتمبر ـ أو على الأقل يتحملها وحده.
والشاهد أن أبرز ساسة أوربا سألوا نظراءهم الأمريكيين عما لديهم من أدلة على مسئولية "بن لادن"، ولم يحصل أيهم على رد يغنيه أو يكفيه. على أن ثقتهم بالولايات المتحدة أغنت وكفت.
وفي لندن وباريس وروما ـ وربما في غيرها من عواصم أوربا ـ وكما يحدث في بلدان متقدمة، يدعى إلى "اجتماعات تشاور" تطلب الرأي من خارج الإدارة القائمة في أية أزمة تطرأ، وفي العادة فإن هذه الاجتماعات يحضرها خبراء فيهم أساتذة جامعات ووزراء وسفراء سابقون يعرفون أطراف الصراع أو مناطق الحوادث التي تطرح نفسها مفاجأة على الاهتمام العام، ولكي يكون التشاور نافعاً وليس صورياً، فإنه توضع أمام هذه الاجتماعات صراحة كل ما لدى حكوماتها من معلومات، لكي تنضم الخبرة السابقة إلى التجربة اللاحقة.
وحدث في عدد من هذه الاجتماعات ـ وليس من الضروري أن أحدد تفصيلاً كي لا أحرج أحدا ـ أن المشاركين في أكثر من عاصمة وجهوا إلى رؤسائهم الحاليين سؤالين:

○ السؤال الأول: هل هناك دليل يمكن البناء عليه في الإقناع السياسي بمسئولية بن لادن ـ ومن ثم طالبان ـ ومن ثم أفغانستان "ومن ثم الإسلام" بمسئولية ما جرى يوم 11 سبتمبر؟
○ والسؤال الثاني: ما هي اتجاهات العمل العسكري الأمريكي الحالي، وما هو الهدف الإستراتيجي منه؟
وبالنسبة للسؤال الأول: كان الرد على المستوى الوزاري أنه:
"ليس لدينا دليل قاطع على مسئولية بن لادن ـ طالبان ـ أفغانستان ـ فيما حدث يوم 11 سبتمبر ـ "ثم يتواصل الرد" ـ على أنه لا بد أن يكون لدى الأمريكان شيء يستندون عليه، لكنهم لم يقولوه لنا. ومما قالوه أن لديهم معلومات بأن بن لادن أو وكلاء مفوضين عنه أصدروا من بنك في الإمارات العربية المتحدة عدة حوالات قيمتها نصف مليون دولار، فيها مائة ألف دولار لـ: محمد عطا، وهو المتهم بقيادة عملية 11 سبتمبر، وفيها مائة ألف دولار أخرى باسم زميله: مروان الشيحي.
ثم إن المخابرات الأمريكية حصلت على صور من هذه الحوالات بتصريح من محافظ البنك المركزي للإمارات العربية المتحدة بعد طلب تقدمت به "مارسيل وهبة" سفيرة أمريكا في الإمارات العربية المتحدة.
ورأيهم كما قالوه لنا صراحةً: "إن هذه الحوالات تقطع بالصلة بين بن لادن وبين المسئولين عن عملية 11 سبتمبر، ظنهم أيضا ـ كما عبروا عنه ضمنا ـ: ((أنهم لا يستبعدون أن بن لادن، بما كان صادقا عندما قال إنه لم يخطوا ولم يوجه عملية 11 سبتمبر، فهو يعطي الأموال "يميناً ويساراً وفي الوسط" ـ لكن الهدف العام لما يعطيه معروف بصرف النظر عن تفاصيل كل عملية"!
"وفوق ذلك فقد أكدوا لنا "في واشنطن" أنهم أجروا تسجيلات لاتصالات تليفونية قام بها بن لادن طول السنوات الخمس الماضية من جهاز تليفون جوال متصل بالأقمار الصناعية. وأن لديهم أكثر من ألف ومائة تسجيل لمحادثات تليفونية، وقد أرسلوا إلينا عينات منها، لعلها ترشد أو تدل على شيء!".
كذلك قيل في "اجتماعات التشاور" في أكثر من عاصمة أوربية في الإجابة عن السؤال الأول.
………………
……………...
[وسألني أحد وزراء الدولة الأوربيين "ومرة أخرى لا أريد أن أحدد لأني لا أريد أن أحرج": لماذا قلت "قبل ثلاثة أسابيع" "إن بن لادن لا يستطيع ولا يقدر على عملية مثل عملية 11 سبتمبر"؟ وكررت على سائلي ما نشرته عن ظني بأن بن لادن وحده لا يستطيع، وأن عمليات 11 سبتمبر، سواء بمقتضياتها المعقدة في التخطيط والإدارة والتنفيذ تتعدى قدراته، ثم إن ظروفه بما فيها المراقبة المستمرة عليه واختراق تنظيمه بالعمق ـ إلى جانب بعد أمريكا عن مواقعه تخطيطاً وإدارة وتنفيذاً ـ تجعل المسألة برمتها خارج طاقته.
وسألني وزير الدولة الأوروبي المعنى: إذا لم يكن بن لادن فمن؟ وقلت: "إن ذلك يتجاوز اختصاصي، لكني سمعت حوله ظناً عرضته كاملاً".
"وأضفت أن ما طرحته من شكوك حول ضلوع عناصر من البلقان ليس رأيي، لكني نقلته عن أصدقاء في بروكسل وفي مقر حلف الأطلنطي، ثم إنني لم أطرحه كحقيقة نهائية، وإنما طرحته كاحتمال تسانده شواهد عرضتها، ثم إنني فيما نشرت قبلت بضلوع عناصر عربية بدور أو أدوار فيما حدث، لكني أشرت إلى غياب دليل، وإلى غياب تحقيق يعطي للناس ولو شبه دليل يطمئنهم إزاء الطريقة التي تتصرف بها القوة الأمريكية!
وسألني محدثي عن: الصلة وكيف يمكن أن تكون بين عناصر من العرب وعناصر من الصرب أو ـ البلقان عموماً، والطرفان بعيدان لا رابط بينهما؟
وذكرته بأنه كان بين "المجاهدين" ـ أو من أسموا كذلك ـ في "البوسنة" أكثر من ألفين من الشباب العرب: ربعهم من مصر وربعهم من السعودية والباقون من بلدان عربية أخرى، وبعضهم لم "يجاهد" في البوسنة فقط، ولكنه وصل "بالجهاد" إلى ألبانيا أيضاً، وبعدهما حتى "الشيشان".
وقلت: "إنه كانت هناك كتائب من قوات مسلحة عربية تعمل ضمن القوات الدولية التي شاركت فيما سمي بعملية "حفظ السلام في يوجوسلافيا السابقة". وأنني أعرف عن جنود من العرب تزوجوا من بلقانيات ـ وصربيات أيضاً".
وأضفت: "أنه فيما يتصل بحادث على مستوى 11 سبتمبر، فإن أحداً منا لا يستطيع أن يستبعد شيئاً من حسابه دون ترو، أو يدخل شيئاً في حسابه دون أساس"!]
……………….
………………
وفيما يتعلق بالسؤال الثاني الذي طرحته "اجتماعات التشاور" الأوربية، وهو السؤال عن اتجاهات العمل العسكري الأمريكي، وعن الهدف الاستراتيجي منه، فقد كان الجواب الذي أتاهم يعرض السياق التالي:
"إن الإدارة الأمريكية كانت واقعة تحت " ضغط رهيب"، يدفعها إلى الحركة بسرعة، وإلى الحركة نحو نوع من "العقاب" يصل إلى أقصى درجات القسوة، بحيث تكون مشاهد الدم والحريق ظاهرة أمام الشعب الأمريكي "تطفئ ناره" و"تشفى غليله"، وإلا واجهت الإدارة الأمريكية أزمة يصعب تقدير عواقبها ـ لكن الإدارة وهذه نقطة لصالحها "كذلك قيل لـ "مجموعات التشاور" في أكثر من عاصمة أوربية" ـ انتظرت وفكرت ووازنت بين خيارات وبدائل:
ـ فكروا في خطة لخطف بن لادن من منطقة جبلية في "قندهار" رصدوا وجوده فيها، لكنهم تذكروا ما حدث "24 أبريل 1980"، في محاولة إنقاذ الرهائن الأمريكيين الذين احتجزهم الشباب الثوري الإيراني في مبنى السفارة الأمريكية في طهران.
……………….
……………….
[وأيامها سنة 1980 وضعت قيادة القوات الخاصة الأمريكية خطة لإنقاذ الرهائن من قبل طهران، وكان المطار العسكري في المنيا "صعيد مصر"، إلى جانب القاعدة الأمريكية في "مصيرة" "سلطنة عمان" قيادة تنفيذ تلك الخطة التي عرفت باسم "الصحراء رقم 1". وكان الرئيس "أنور السادات" قد صرح "لصديقه" الرئيس "جيمي كارتر" باستعمال الأراضي المصرية وتسهيلاتها العسكرية في تنفيذ هذه الخطة، وبالفعل كان المكلف بالتنفيذ وقتها هو الجنرال "بكويث" قائد القوات الخاصة، وقد تولى من مطار المنيا توجيه العملية. ومن نفس القاعدة بعث الجنرال "ريتشارد بكويث" إلى الرئيس كارتر يخطره بأن العملية فشلت، بسبب تعطل وتصادم اثنتين من طائرات الهليوكوبتر، ورد عليه الرئيس كارتر بأن "يجهض" الخطة ويعود بقواته، وكذلك فعل الجنرال "ريتشارد بكويث" مع علمه بأن قواته على الموقع قرب مدينة "يزد" الإيرانية ـ على طريق طهران ـ تركت وراءها جثث ثمانية جنود قتلوا عندما اصطدمت طائرات الهليوكوبتر ببعضها].
……………..
……………..
وقيل أمام "مجموعات التشاور" الأوربية ضمن ما قيل: إن الذكرى المريرة لتلك التجربة دعت الإدارة الأمريكية في الظروف المستجدة إلى استبعاد مغامرة خطف بن لادن، لأن احتمال الفشل فيها "بعد الفشل في توقع ضربة 11 سبتمبر" مما لا يقدر الرئيس "بوش" على تحمله الآن، وهو لا يستطيع أن يفعل مثلما فعل الرئيس "كارتر" مع الجنرال "بكويث" سنة 1980، ويأمر بإجهاض الخطة لأن مقتضى ذلك يفرض عليه في نفس اللحظة، تخليه عن منصبه، وإلا بدأت إجراءات عزله، لأن الفشل سوف يفتح الباب لتحقيقات مكبوتة بصعوبة ولكنها مؤجلة، وكلها تريد أن تعرف كيف جرى ما جرى؟
وأين كانت المخابرات الأمريكية وماذا فعلت بميزانيتها وهي تزيد على ثلاثين بليون دولار؟ ثم أين كان الدفاع الجوي عن عاصمة القوة الأعظم الوحيدة في العالم؟!
وفي ذلك الصدد قيل أيضاً "لمجموعات التشاور": إن الولايات المتحدة اعتذرت لرئيس وزراء إسرائيل عندما عرض استعداد القوات الإسرائيلية الخاصة "لخطف بن لادن" نيابة عن الإدارة الأمريكية "والمعنى المقصود من العرض أن تدخل إسرائيل عضواً معترفاً به شرعياً وعلنياً في الحلف الدولي الذي تقيمه أمريكا للحرب ضد الإرهاب". وقد أبدى رئيس وزراء إسرائيل أن "الموساد" لديه خبرة في هذا النوع من العمليات أشهرها خطف ومحاكمة وإعدام "الجنرال" "إيخمان" "المسئول الأول عن "الهولوكوست" ـ الجحيم ـ الذي تعرض لـ "اليهود" تحت حكم النازي أيام هتلر"، وقد اعتذرت الإدارة الأمريكية عن هذا العرض رغم ثقة إسرائيل في فرص نجاحه، لأن لديها بالفعل وعلى الأرض وفي عمق "قندهار" "عناصر" جاهزة. وكان رأى الإدارة الأمريكية أن ظهور إسرائيل على المسرح في هذا الدور وفي هذا التوقيت، وحتى إذا نجحت في المهمة ـ سوف يسبب إحراجاً سياسياً واستراتيجياً في العالمين العربي والإسلامي.
……………..
……………..
[وكان اعتذار الولايات المتحدة عن هذا "الخيار الإسرائيلي"  أهم الأسباب التي دعت "آرييل شارون" رئيس وزراء إسرائيل إلى إلغاء زيارته المقررة للولايات المتحدة واجتماعه المحدد مع الرئيس جورج بوش ـ في شهر أكتوبر ـ ذلك أن "شارون" اعتبر الاعتذار الأمريكي "عن توكيل إسرائيل بمهمة خطف بن لادن"، دليلاً على عدم رغبة الولايات المتحدة في الاعتراف بوجود إسرائيل كطرف أصيل في التحالف الدولي الذي يتجمع لمقاومة الإرهاب. وكان رأى شارون أن الحقائق عفت على زمن كانت واشنطن فيه تخفي شواهد علاقتها الخاصة بتل أبيب عن عيون العواصم العربية، لكن حكومته الآن مصممة على أداء دورها في العلن، وإذا لم تكن واشنطن تريد إشهار وتوثيق هذه العلاقة فذلك حقها، لكن إسرائيل لن تضع نفسها في موضع تراه أقل مما تستحق بصرف النظر عن قوة العلاقة بين البلدين.
ثم إن شارون يضايقه أن يكون سبب الاعتذار الأمريكي هو "مجرد مساعدة عدد من القادة العرب يريدون "ستر" علاقتهم بالولايات المتحدة، وتسايرهم واشنطن في ذلك بمقولة عدم إحراجهم أمام شعوبهم.]
………………
………………
وطبقاً لما عرض "اجتماعات التشاور" الأوربية فقد كان الخيار والبديل الآخر الذي فكرت فيه واشنطن، هو "تكليف تحالف الشمال الأفغاني بالمهمة"
، لأن ذلك التحالف المعارض لطالبان ـ والذي كان يخوض الحرب ضدها فعلاً من مواقعه التي تراجع إليها في شمال البلاد تحت قيادة أحمد شاه مسعود ـ جاهز على الأرض لديه حوافزه القوة للقتال إذا تلقى ما هو متأخر من طلبات سبق وتقدم بها للإدارة الأمريكية، لكن ذلك الخيار البديل استبعد "وقتها"، لأن هذا التحالف "مهزوم في أعماقه" و"ممزق" ـ ولون كان قادراً على النصر لانتصر لحساب نفسه مع كل المساعدات التي تلقاها من قبل. ثم إن شعور "المهزوم المزق" لدى هذا التحالف زاد وتكرس، عندما وقع اغتيال قائده العسكري اللامع أحمد شاه مسعود، "وكان اغتياله يوم 8 سبتمبر الأخير ـ أي قبل 11 سبتمبر بيومين أو ثلاثة ـ مما دعا كثيرين إلى الربط بين اغتيال أسد بنشير "مسعود" وبين العمليات ضد نيويورك وواشنطن".
ثم إن زعماء التحالف الشمالي حينما أحسوا أن هناك اتجاهاً للاعتماد عليهم، بدءوا يزايدون في طلباتهم، ويسابقون بعضهم في الانفراد بما يمكن أن تعطيه الولايات المتحدة الأمريكية لمن تعهد إليه بالعملية.
                                           **
وكان هناك خيار وبديل رابع ورد ذكره في "اجتماعات التشاور" الأوربية مؤداه: "إنه يمكن الاتفاق مع بعض، أو أحد زعماء القبائل الأفغانية، وضمنها قبائل علمتها الحروب أن تبيع ولاءاتها ـ لكي تتولى هي خطف بن لادن، وكانت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تروج لهذا الحل بعدما قالت إنها استكشفت السبل والوسائل لتحقيقه. ولكن الوكالة تقدمت تطلب اعتمادات خرافية، واستأذنت في أجل للتنفيذ غير محدود بتاريخ معين، ولم يجد الرئيس الأمريكي نفسه قادراً على الصبر، فهو يستطيع توفير الاعتمادات العاجلة، لكنه لا يملك الوقت المفتوح وخصوصاً أن الوكالة سبق لها أن خدعته في "زعماء أفغان"، طلبوا الغالي وحصلوا عليه، لكنهم عند التنفيذ تملصوا، وادعوا صعوبة المهمة، وتقدموا بمطالب مالية إضافية، لعل "فرج الله يجيء".
والشاهد ـ كذلك قيل ـ إن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تورطت "حتى الركب" في أفغانستان وشطحت وشردت إلى درجة أن "فريق عمل" من رجالها قضى ستة شهور في وضع تقرير عن "الشذوذ الجنسي" لدى الزعماء الأفغان، وأهمية استخدامه في تطويعهم! وكنموذج "ميداني" أشارت الوكالة إلى معركة عنيفة ـ طالت شهوراً ـ بين زعيمين حول "غرام" كليهما بصبي "اكتشفه" أولهما، ثم "خطفه" الثاني، وانشغل مكتب وكالة المخابرات الأمريكية في "بيشاور" بهذه المعركة أسابيع حتى استطاع تهدئة الخواطر والسيطرة على العواطف.
وعلى أية حال، فإن الرئيس الأمريكي الذي يعتزم الاستغناء عن خدمات رئيس الوكالة الحالي "جورج تينيت" في أول فرصة تسنح له ـ أرد فيما يظهر إبطال أية حجة للوكالة، فصرح لها باعتماد قدرة مليا دولار تصرفها "تحت رقابة نائبه ديك تشيني"، على أن تأتيه في النهاية بإسامة بن لادن حياً أو ميتاً.
وكذلك فإن هذا الخيار الرابع وضع تحت الطلب دون عجلة.
وكان هناك فيما قيل لعلم "اجتماعات التشاور" الأوربية خيار خامس جرى استبعاده بعد ساعات ومؤداه: "أنه ليس عسيراً تكليف وحدة خاصة من المخابرات الباكستانية لتنفيذ عملية خطف أو قتل بن لادن دون خوف أن يؤدى ذلك إلى حرج للجنرال "برفيز مشرف" رئيس باكستان، ذلك أنه مع معلومات متوافرة تقول إن شعب أفغانستان ـ وحتى جماهير طالبان ـ ضاق صدرهم بالمخاطر والمهالك التي سببها وجود بن لادن على أرضهم ـ لن يمانعوا إذا خلصهم أحد من "هذه المصيبة". ثم إنه إذا اقتصرت العملية على "بن لادن وحده"، وإذا لم تقترب من زعماء طالبان، فإن العملية قد تبدو خدمة باكستانية للأمة الأفغانية، وعندئذ يمكن قبولها في باكستان، خصوصاً إذا توافقت مع حزمة مساعدات اقتصادية لإسلام آباد، يرافقها ضمان بسلامة المنشآت النووية الباكستانية من ضربة مفاجئة ضدها "من الهند أو من إسرائيل مع اختلاف النوايا والمقاصد بين البلدين"، لكن عرض الفكرة توافق مع قلاقل داخل القيادة العليا الباكستانية أضطر فيها "برفيز مشرف" إلى إعفاء صديقه ونائبه الجنرال "محمد عزيز خان"، وهو الرجل الذي دبر وقاد الانقلاب العسكري الذي جاء به إلى الحكم ، بينما هو ما زال في طائرة معلقة به في الأجواء لا تعرف لنفسها مطاراً تهبط فيه.
وكذلك لم يبق بديل غير العمل العسكري الأمريكي.. ومباشرة!
………………
………………
                                            **
وكان ختام مناقشات "اجتماعات التشاور" الأوربية، إعلان رئيس الوزراء توني بلير أمام مجلس العموم البريطاني بـ: "إن الولايات المتحدة الأمريكية لها حق العمل العسكري ضد بن لادن، وحتى إذا لم تقدم أدلة كافية لإدانته "أمام محكمة"، فإن عقابه إجراء عادل في أي وقت قصاصاً من أعمال سابقة، دبر لها من قبل مثل تفجير "قاعدة الخبر" في السعودية، وتفجير المدمرة الأمريكية كول في ميناء عدن اليمنى! ـ وغيرها.
………………
………………
[وكان سماعي بذلك في جلسة مجلس العموم، داعياً إلى ما قلته بعد ذلك في حديث مع الجارديان "نقلته عنها الايفننج ستاندارد"، استشهدت فيه بالمثل الصيني الذي يقول "اضرب زوجتك كل يوم علقة، وإذا كنت لا تعرف لذلك سبباً، فهي تعرف" ـ مضيفاً أن تلك فيما يظهر استراتيجية الحروب الجديدة في القرن الحادي والعشرين!].
………………
………………
وفي باريس كان ملخص ما توصلت إليه مجموعة من مستشاري الرئيس شيراك في "قصر الإليزيه"، أن على فرنسا مهما كان اختلاف تصوراتها ـ السياسية والعسكرية ـ أن تقف مع الولايات المتحدة، وأن تشعرها بالمودة والتكافل، لأن ما حدث "ولو أنه لا يمثل تهديداً حيوياً للولايات المتحدة، إلا أنه يواجهها لأول مرة بشعور لا تحب المجتمعات أن تعيش معه وهو الشعور بـ "عدم الاطمئنان". والرأي أن المجتمعات يمكنها أن تواجه تفاقم الأزمات قادرة، وأن تخوض غمار الحروب واثقة، تساندها عوامل قوتها الحقيقية، لكن الخطر ـ وإن لم يرق إلى مستوى التهديد ـ أن تشعر المجتمعات بـ "عدم الطمأنينة"، وذلك الشعور هو "نصف عصبية الولايات المتحدة الآن".
وكان تقدير الخبراء الفرنسيين أن موقف التفهم المتعاطف يتيح لفرنسا في اللحظة المناسبة أن تضع بعض "الفرامل" على الاندفاع الأمريكي إلى المجهول.
……………..
……………..
[وكان ذلك هو الدور الذي يقال في مقر رئاسة الوزارة البريطانية ـ 10 داوننج ستريت ـ أن توني بلير يحتفظ به لنفسه. وتقدير معاونيه أن هذا الموقف يبنى لرئيس الوزراء شعبية واسعة تتكفل بها "الأضواء الساطعة للإعلام الأمريكي". وهذه الشعبية تستطيع أن تساعده على الدخول بالاسترليني إلى محيط العملة الأوربية الموحدة، وهي خطوة ملحة أوائل 2002، عندما يصبح اليورو وحده عملة أوربا الرسمية كلها. كما أن هذه الشعبية أيضا ـ في تقدير معاوني توني بلير ـ يمكن أن تكون رصيداً مدخراً لحزب العمال في أية انتخابات قادمة. وكل ذلك مطلوب حتى وإن كان طلب "بلير" المباشر ـ الآن ـ هو دور "الفرملة" على الاندفاع الأمريكي.
لكن الخبراء الفرنسيين ظل رأيهم أن "توني بلير" لن يستطيع أداء دور الفرملة على الاندفاع الأمريكي، لأنه التصق أكثر من اللازم بالسياسة الأمريكية، بحيث أصبح امتدادا لها يدور في فلكها ولا ينفصل عنها، فقد تصور أن اقترابه أكثر من اللازم ينفع دوره، ونسى أن الحركة في مدار القوة الأمريكية سوف تستوعبه مهما حاول، وبالتالي يصعب عليه أن ينفصل ليكون له موقف مستقل، وإذا فعل فإن محاولة الانفصال بعد زيادة الاتصال إلى حد الالتصاق، لا تتم إلا بدرجة من الخلاف يستحيل عليه قبولها.
وإذن فذلك الدور "الفرامل" محجوز لفرنسا في اللحظة المناسبة.
……………..
 
الإشارة الثالثة:
مناقشات عن الحرب في أفغانستان وحولها
لندن:
كان هناك سؤال طرحته على كثيرين، وفي لندن أكثر من غيرها بسبب قربها الزائد من القرار الأمريكي وموجباته. مؤدى السؤال أنه: إذا كان "التشويح السياسي" قد تحول في الحالة الأمريكية إلى عمل عسكري بالسلاح، فما هو شكل هذا العمل العسكري؟ وما توصيفه؟ وما هدفه؟
وقد ضغطت على هذا السؤال أثناء غداء في بيت الصحفي البريطاني الأشهر "أنتوني سامبسون" "وهو مؤلف عدد كبير من المراجع السياسية المهمة منها "الأخوات السبعة": عن شركات البترول العالمية الكبرى ـ و"سوق السلاح": عن تجارة السلاح في العالم ـ و"لمسة آلهة الذهب": عن كيف تكونت أكبر الثروات في العالم ـ وأخيراً سيرة حياة "مانديلا" لأن أنتوني سامبسون هو مؤرخه المختار لكتابة قصة حياته".
وكان ضيوف الغداء جميعاً صفوة من العارفين بمكامن السياسة وميادين الحرب. ولم تتوقف المناقشات من الساعة الثانية عشرة ظهراً حتى الثالثة بعد الظهر، وخلاصة المناقشات كما تداعت:
1ـ إن هدف التحركات العسكرية الأمريكية الأولى ـ قبل بدء العمليات ـ هو التواجد في قواعد الخليج والسعودية وغيرها بشكل "فاعل على الأرض" يرفع درجة الاستعداد فيها "دون إذن من أحد""، لأن ما حدث في نيويورك وواشنطن يعطي في حد ذاته شرعية تغني واشنطن عن "طلب إذن" من أي طرف.
وذلك حال يختلف عما كان في حرب الخليج الثانية سنة 1990 ـ 1991، ففي حال حرب الخليج كان نزول القوات الأمريكية والبريطانية "وغيرها" في السعودية والخليج، يحتاج إذناً من الدول المعنية ويحتاج غطاءً شرعياً عربياً عاماً يسند الأطراف المعنية، لكن الظروف تختلف هذه المرة، فليس هناك من يستطيع أن يعترض، وليس هناك من له حق "أن يأذن أو لا يأذن". وفي الواقع العملي، فإن الإذن السابق ما زال سارياً وبمقتضاه فإن التواجد العسكري الأمريكي في قواعد شبه الجزيرة العربية ما زال فاعلاً، وكل ما استجد هو أن الحاجة تدعو الآن إلى رفع درجة الاستعداد في هذه القواعد بما يناسب "حالة حرب فعلية".
إلى جانب مطلب رفع درجة الاستعداد في القواعد الأمريكية في السعودية والخليج ـ فقد كانت هناك حاجة إلى انتشار أوسع في شبه الجزيرة العربية، وبحيث يكون في مقدور هذا الانتشار أن يطال أي هدف يراد الوصول إليه، ومرة أخرى فإن هذا الانتشار لم يكن يحتاج إلى استئذان، فالسوابق قائمة، والغضب الأمريكي لما جرى في نيويورك وواشنطن يصيب الكل بالفزع، بحيث لا يجرؤ طرف على مجرد السؤال، حتى إذا خطر السؤال على باله.
                                             **
وكان التقدير في تلك الساعات، أن الانتشار ورفع درجة الاستعداد إلى مستوى حالة الحرب، يعطى السلاح الأمريكي إمكانية التدخل وفق ما يرى صانع القرار الأمريكي،سواء لدواعي العمليات على المسرح الأفغاني أو أي مسرح غيره!
وأثناء ذلك الوقت فإن تلك الأوضاع في حد ذاتها تحدث أثرا نفسيا يمكن أن تجيء نتائجه أكبر من أي تقدير.
2ـ إذا لم تحقق مشاهد الانتشار العسكري هدفها النفسي، وضمنه احتمال أن تقوم طالبان بتسليم بن لادن توقياً لضربة عسكرية أمريكية، أو احتمال قيام بعض الحكومات العربية التي تحتفظ بعلاقة خاصة مع طالبان بمسعى مباشر قبل أن يفوت الأوان فلا تزال هناك احتمالات لا داعي لاستبعادها.
وبالفعل فقد جرى تداول اقتراح مؤداه أن يقوم وفد من "علماء المسلمين" بالتوجه إلى "قندهار" وإقناع قيادة طالبان ـ الملا عمر نفسه وإقناع إسامة بن لادن شخصياً ـ بأن الوقت قد حان لفداء الأمة الأفغانية والإسلامية من شر مستطير بتضحية، رجل واحد "كما همّ سيدنا إبراهيم أن يفعل بابنه إسماعيل لولا أن فداه الله بذبح عظيم"، وكان لدى بعض هؤلاء العلماء بالفعل شعور بأن المعجزة قد تتكرر، لأن بن لادن من أول لحظة يدفع ببراءته مما حدث في نيويورك وواشنطن، وإذا كان صادقاً فإن الصدق قادر على أن يثبت نفسه أمام محكمة إسلامية ودولية في الوقت نفسه، وكذلك تتحقق معجزة الفداء!.
3ـ وإذا لم يتحقق شيء من ذلك كله، فإن الفعل العسكري يستطيع أن يبدأ بضربات من الطيران كاسحة بصواريخ كروز وغيرها من ناقلات الدمار.
وذلك أيضاً يمكن أن يحقق الهدف نفسياً، إذا اقتنع الملا عمر وقيادة طالبان، أن الخطر جد لا هزل فيه، وأن أبواب جهنم التي انفتحت في أجواء أفغانستان ضرر عظيم، يفرض الشرع توقيه ودرأه بكل سبيل، خصوصاً إذا كان من يتعرض له لا يملك وسيلة لدفعه عن نفسه أو الرد عليه بمثله، وحينئذ يمكن تسليم بن لادن بمنطق "سد الذرائع" ـ سواء للولايات المتحدة الأمريكية أو لدولة إسلامية صديقة "ترى في الأمر رأيها".
إضافة إلى ذلك، فإن نار الجحيم الموجهة إلى الشعب الأفغاني، يمكن أن تدفعه للتمرد على حكومة "طالبان"، خصوصاً إذا وصل الضرب إلى الطرق والجسور القليلة ومحطات الماء والكهرباء المتهالكة، ومستودعات الغذاء والمؤن الشحيحة، وأيضاً إلى المزارع المملوكة لزعماء القبائل في المناطق التي لا تزال بها شواهد خضرة من شجر وثمر في الشمال والجنوب وحول العاصمة كابول.
4ـ إن بدء الضرب الجوي واشتداده نافع للرأي العام الأمريكي على عدة مستويات لأنه:
ـ يريحه نفسياً ويشفي غليله.
ـ ويقنعه بأنه أخذ حقه بيده وتصرف.
ـ ويشغله عن حساب المسئولية فيما جرى فوق نيويورك وواشنطن على الأقل بالتأجيل إلى ما بعد الحرب "لأن الوطن في الميدان الآن وعلم النجوم يرفرف".
وذلك بالفعل تحقق ولو للأجل القصير لأن صيحة "الوطنية" دوت زئيراً بدائياً تردد في الولايات المتحدة من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب حتى لم يعد في مقدور أحد أن يرفع صوته مطالباً "بالمراجعة" ـ كضرورة للتثبت قبل الضرب وكذلك لضمان استمرار التعبئة على المدى الطويل.
وكان أن الإعلام الأمريكي سمح وقبل أثقل قيود رقابية وضعت عليه إلى درجة أن السيدة "كونداليزا رايس" مستشار الرئيس للأمن القومي تمكنت من إقناع كل رؤساء تحرير الصحف وقنوات التليفزيون الأمريكية في الإرسال الداخلي والخارجي على السواء. وبالامتناع عن نشر بيانات بن لادن وطالبان، لأنها تحوي إشارات سرية موجهة إلى عملاء كامنين في الولايات المتحدة، تأمرهم بالرموز أن ينفذوا عمليات معينة في أوقات معينة عند سماعهم لألفاظ معينة!
بل إن الرقابة عبرت المحيط إلى بريطانيا، فإذا بمكتب "الستير كامبل" مستشار رئيس الوزراء "توني بلير"، يستدعي كبار محرري الصحف والإذاعة والتليفزيون، ويطلب إليهم أن "لا يكونوا أدوات في يد بن لادن، يستعملهم لخططه وهم لا يعرفون"، لأن ما ينقلونه ويذيعونه بحماسة هو في الواقع أوامر منه لأنصاره بالرموز، ومن المزعج أنه حين ارتفعت بعض الأصوات، في "الجارديان" و"الإندبندنت" مثلاً، تطرح الأسئلة الضرورية، فإن جريدة مثل "التيمس" شنت عليهم هجوماً ضارياً تحت عنوان "أنبياء الشؤم"!
5ـ بعد هذه الأهداف العسكرية والنفسية، فقد كان أول تقدير لما يستطيع الضرب الكثيف أن يصنعه على أرض العمليات يقدر أن استهداف المواقع الموجودة وفيها مخابئ وملاجئ بن لادن وزعماء طالبان سوف يرغمهم جميعاً على الخروج من المخابئ والملاجئ في طلب الأمان، فإذا خرجوا إلى الفضاء المكشوف، أمكن لطائرات الاستطلاع من "شكل القوافل" أن تعثر عليهم وتنقَّض!
وكان أول أمر من الجنرال "تومي فرانك" قائد القيادة المركزية الأمريكية المسئولة عن العمليات من مقر قيادته في "تامبا" فلوريدا، هو:
"إن علينا أن نجعل مخابئهم تضيق عليهم، فإما أن "نفعصهم" داخلها وإما أن يضطروا للخروج إلى حيث نستطيع اصطيادهم. علينا كذلك أن نعزل قياداتهم أن يتصلوا للتشاور بينهم والتنسيق، وأن نقطع الاتصال بين القيادة والوحدات، وبين الوحدات وبعضها، وأن ندمر الطرق وشبكات الاتصال حتى يتحول ميدان القتال إلى جيوب محاصرة تتم تصفيتها واحداً بعد واحد"!
وكان الهدف التالي المباشر للضرب الكثيف هو "ردع آخرين" "لا أحد يعرف أين هم؟" عن القيام بـ: هجمات انتحارية جديدة أو التفكير في محاولات أخرى من نفس النوع، إذا توهموا أن الأضرار التي لحقت بالولايات المتحدة نفسياً وسياسيا واقتصاديا كبيرة إلى درجة تبرر لهم تكرار الهجمات بقصد الابتزاز، وهو أسلوب مستعمل على الساحة الدولية.
والمنطق هنا أن ضراوة عقاب "الجريمة الأصلية" كفيل بأن يرد آخرين عن ارتكاب مثلها مهما بلغت أوهام هؤلاء الآخرين!
وبالطبع فقد كان للضرب الكثيف قصد نهائي هو تحقيق النصر، وهنا فإن هناك أسئلة كثيرة وطرحت نفسها: عن معنى النصر؟ وهل يكفي لتحقيقه إسقاط نظام طالبان وهو ممكن بل وسهل بسبب تفاوت القوة أو أسر بن لادن وقتله، وذلك وارد بل ومحتمل في أجواء أفغانستان، وماذا عن البلد نفسه وهو من عشرات السنين مسرح حروب خاضتها الإمبراطوريات من قبل، رغبة في السيطرة على الموقع الحاكم في وسط جنوب آسيا؟ ثم ماذا عن الشعب الأفغاني وهو منذ أكثر من ربع قرن يعيش في مستنقع دم؟ ثم ماذا؟ وماذا.. أسئلة لا حصر لها!
                                            **
وفيما بدا مع مجرى الحوار "على مائدة "أنتوني سامبسون" "، فإن العمل العسكري الأمريكي ـ بعد ابتدائه بالضرب الكثيف ـ حدد لنفسه خططاً للأجل القصير وبعده للأجل المتوسط، وعلى ضوء ما يجري على الأجلين يمتد البصر إلى أبعد!
○  وفي الأجل القصير، فإن مقتضى الخطة يكرر ما جرى من قبل في معارك البلقان الأخيرة في البوسنة وكوسوفو، وملخصها الاعتماد على القوات الجوية تغلق الطرق من حول قوات "العدو"، وتحاصر منافذه بدائرة من النار، ليست فيها غير فتحة واحدة تدخلها قوات صديقة على الأرض تطارد وتطهر وتحتل وتحقق النصر.
وجرى وضع المنطقة الشمالية بالفعل ومركزها "مزار شريف" هدفاً للعمليات الافتتاحية، فهذه المنطقة جغرافيا وعرقيا ومصلحة واتصالا في النطاق "الأوزبكي"، وهو "عرق إنساني" يعيش ما بين "جمهورية أوزبكستان" وبين شمال أفغانستان.
والظن أنه إذا ما زحف جيش يقوده جنرال "أوزبكي" مثل الجنرال "عبد الرشيد دوستم" من الشمال إلى الشمال، فإن منطقة "مزار شريف" سوف تستسلم راضية، ومهما فعلت طالبان "وكذلك كان".
○ وفي الأجل المتوسط فإنه سواء بالقصد أو بمصادفات الظروف، بدأت في الولايات المتحدة حكاية جرثومة "الإنثراكس" والحرب البيولوجية التي تشن على الشعب الأمريكي داخل وطنه، وكانت المبالغات الإعلامية في هذه "الحكاية" متجاوزة للواقع وحتى للخيال.
وشاع أن ذلك هو التمهيد لنزول قوات أمريكية برية على الأرض في أفغانستان، يسقط فيها ضحايا وتعود جثثهم إلى وطنهم في حقائب البلاستيك، وذلك هو الموقف الذي يكرهه الشعب الأمريكي، ويخشاه كل رئيس أمريكي ـ لكنه إذا تبدي أن أمريكا نفسها أصبحت معرضة لحرب بيولوجية داخل أرضها، إذن فإن المواجهة على الأرض بمثابة قدر مفروض لا مهرب منه أو مفر.
لكن الشائع راح يتحول إلى اتهام بأن حكايات الحرب البيولوجية جاءت تمهيداً للمرحلة المتوسطة من الحرب إذا حان وقتها، وهي تعطي للقيادة السياسية الأمريكية خيار توسيع أهداف الحرب، وفي مقدمتها: ضرب العراق.
والذي يتابع المناقشات الدائرة في دهاليز البيت الأبيض ووزارة الدفاع والكونجرس، والذي يتابع ما ينشره نجوم الإعلام الأمريكي، يلفت نظره ذلك التحريض المستميت على ضرب العراق حتى ليبدو في بعض اللحظات، كأن العراق هدف الحرب الرئيسي، في حين أن أفغانستان مجرد مسرح ثانوي يقتصر دوره على التمهيد والتهيئة.
6ـ وكان رأى عدد من الجالسين حول مائدة الغداء في بيت "أنتوني سامبسون"، أن العمل العسكري الأمريكي له فوق أهدافه الإقليمية ـ هدف استراتيجي عالمي هو التأكيد لكل الأطراف في العالم أن الولايات المتحدة تأخذ دورها المهيمن الذي تفردت به بعد انتهاء الحرب الباردة جداً، وأنها إذا كانت "القوة الأكبر" في القرن العشرين، فإنها مصممة على أن تكون "القوة الأوحد" في القرن الواحد والعشرين.
وهذه رسالة موجهة إلى الجميع: الأصدقاء من قبل الأعداء "إذا كان هناك أعداء على مستوى الدول".
7ـ لحق بذلك رأى يعتقد أن الولايات المتحدة تقوم ـ في ذات الوقت ـ "بتأكيد وتطوير وامتحان" نظرية الحرب الجديدة "الحرب غير المتوازية" ضد أنواع من التهديدات تواجهها، أخطرها "الإرهاب" ومع أن هذه الحرب الجديدة لا تحتاج إلى السلاح وحده، وإنما تحتاج إلى أسلحة أخرى بجواره أهمها "نظام مخابرات هائل للداخل والخارج"، تشارك فيه الأطراف والقوى في العالم ـ إلا أن هذا النظام العالمي للمخابرات ـ يصعب بناؤه إلا بضغوط على الجميع ـ ولا بد أن تكون الضغوط "مبررة"، حتى إذا تم إنشاء النظام ونجح في امتحانه، أصبحت "آليته المستقلة" خارج إرادة أية دولة بعينها.
8ـ أضاف أحد الخبراء المشاركين في الحوار إلى ذلك قوله:
"إن كل رئيس أمريكي يحتاج إلى حرب يثبت فيها للكل وللتاريخ أنه زعيم حقيقي على مستوى الخلود "Posterity".
وهكذا فإنه في حين أن "بوش" يحلم بأن يكون "جورج واشنطن" "عائداً إلى الحياة" ـ فإن "توني بلير" يأمل أن يبدو وكأنه "تشرشل القرن الحادي والعشرين".
زيادة على ذلك فإن كل دولة عظمى تحتاج إلى إثبات قدرتها، كما أن كل قوة تحتاج إلى تجربة أسلحتها في ميدان حقيقي، ثم إن كل نظرية جديدة في استعمال القوة تحتاج إلى إثبات".
ومع التسليم ـ مرة أخرى ـ بأن الولايات المتحدة الأمريكية لا تواجه تهديداً حقيقيا ـ تكون بعده أو لا تكون ـ كما كان الحال مع بريطانيا في الحرب العالمية الثانية ـ إلا أن الولايات المتحدة في حالة عصبية تجعلها تشعر بعض اللحظات بأنها أمام تهديد حقيقي.
ويمكن ملاحظة أن هناك مدرسة في التفكير ترى أن التهديد هو كل حدث يختلف عن الأمر الواقع، وكل مفاجأة تجيء على غير انتظار، أي أن الأمر الواقع المألوف والمتوقع هو داعي الطمأنينة، فإذا اختلفت الأمور وإذا وقعت مفاجآت، فالشعور بالتهديد تلقائي "وكان ما حدث في أمريكا يوم 11 سبتمبر الأخير أكثر من "أمر مختلف" وأخطر من "مفاجأة وقعت"!
وذكرنا واحد من الجالسين حول مائدة الغداء والمشاركين في حوارها، أنه سمع نقلاً عن الجنرال "ريتشارد ماير" رئيس هيئة أركان الحرب المشتركة للجيش الأمريكي قوله: "إن أمريكا التي انتصرت في الحرب الباردة عليها أن تجعل الوضع الذي جاء بعدها "سلاماً ساخناً" حتى لا تنسى حقائق القوة في أوقات الصفاء والاسترخاء!"
وسألني أحد الحاضرين حول مائدة "أنتوني سامبسون"، وهو "ويليام شوكروس" الذي يعتبر من أبرز الخبراء المتخصصين في صراعات آسيا، عن رؤية العالم العربي لما جرى "11 سبتمبر"، وقلت: إنها لا تختلف كثيراً عن رؤية العالم كله: انبهار بجسارة المغامرة، واستنكار لعواقبها الإنسانية، وتعاطف ـ ربما لأول مرة ـ مع الولايات المتحدة، على أن السياسة الأمريكية لسوء الحظ لم تترك لهذا الشعور بالتعاطف، فرصة أن يتنامى، وإنما طردته مسرعة بصور الخراب في أفغانستان، والعذاب الذي يعانيه رجالها ونساؤها وأطفالها وبذلك غطت الصور على الصور، بمعنى أن صورة أبراج التجارة في نيويورك وهي تتهاوى تباعدت عن موقع النظر وموضع العاطفة، مع ملاحظة أن الإعلام الأمريكي في حالة نيويورك وواشنطن ركز على مشهد اقتحام الطائرات لبرجي التجارة التوأمين، ولم يركز على صور البشر، وأما في أفغانستان فلم تكن هناك ناطحات سحاب تتهاوى كأنها مشاهد أفلام سينمائية مثيرة، وإنما كانت الصور والأظهر والأكبر والأكثر تعبيراً عن المأساة الإنسانية ـ هي صور الجراح والدماء والدموع والموت قتلاً لمدنيين عزل لم يحملوا السلاح في حياتهم، ولم يقرءوا طول عمرهم كلمة عن صراعات العقائد والدول في الأزمنة الحديثة.
ثم عاد "شوكروس" يسألني عن بن لادن، وكأن رأيي دون مواربة أن بن لادن "ليس رجلنا" فلا هو وجه قضايا العرب والإسلام المعاصرة، ولا هو اللسان المعبر عن ضمير الاثنين.
وفي الواقع فإن كثيرين بين العرب والمسلمين ساورتهم الشكوك من سنين عديدة حول هذا الذي يجري في باكستان باسم "الجهاد" وضد "الإلحاد".
وثم هم في كل الأحوال لم يصنعوا "بن لادن"، أو يكتشفوه وإنما سمعوا باسمه لأول مرة على لسان الرئيس "بيل كلينتون"، حين وجه إلى مواقعه في جبال أفغانستان دفعة من صواريخ كروز صيف 1998، "عقاباً على تفجير سفارتين للولايات المتحدة في عاصمتين أفريقيتين".
ثم عاد اسم "بن لادن" يتردد على لسان الرئيس "جورج بوش" منذ ارتفع صوت الرئيس الأمريكي لأول مرة مساء 11 سبتمبر، وهو يعلن الحرب عليه!!
ومن أيامها والإعلام الأمريكي والسياسة الأمريكية لا تنطق إلا باسم "بن لادن"، وكأن ذلك الرجل الذي قضى صباه وشبابه مقاولا لبناء الطرق، ثم عاش ذلك النوع من الحياة التي يعيشها أقرانه من أبناء الغنى السريع في المملكة العربية السعودية، ثم حملته المصادفات إلى أفغانستان في ظروف شديدة الالتباس ـ قد حلت فيه فجأة روح "هولاكو" و"هتلر" و"جنكيز خان" و"ستالين" وفي الوقت نفسه!
ومن أكبر الأخطاء ـ ولعله خطأ متعمد ـ أن يقع الخلط بين الاستنكار العربي للسياسة الأمريكية، وبين ترجمة هذا الاستنكار على أنه الإعجاب ببن لادن. وربما ساعد على الترويج لهذا الخطأ المتعمد، أن الأمة العربية لا تجد في هذه اللحظة قيادة معترفاً بها تتوافر لها المصداقية ولا فكرة جامعة لها طاقة وحيوية أن تلهم وتحرك!
وهكذا فإنه إذا كان ظهور بن لادن ـ إعلامياً قد بلغ هذه الدرجة ـ فدلالته الحقيقية أن الأزمة العربية وصلت إلى القاع، لأن الرجل في جميع أحواله لا يقدر على دور "البطل" ولا يصلح لدور "الشهيد"!
…………….
…………….
زدت على ذلك أنني في كل ما جرى فوق "نيويورك" و"واشنطن"، أستشعر ما تعرض له الشعب الأمريكي، خصوصاً أنه جاء قاسياً ومدمرا، لكنني أعرف أنه مثل كل الأحزان الإنسانية سوف يبهت من الذاكرة الحية مع الأسابيع والشهور والسنين، لكن قلقي الكبير "الآن" وخوفي الحقيقي على شيء آخر، أخشى أنه سوف يظل معنا طويلاً ـ في الواقع الحي وليس في الذكريات الحزينة ـ وأعني بذلك "فكرة الطيران" ذاتها. فقد كان القرن العشرون "قرن الطيران" بحق، وكانت "الطائرة" التي ربطت الدنيا هي نجم العصر ومحركه ودافعه ووسيلته للتقريب ما بين القارات والأمم والثقافات، وخشيتي الآن هي على "فكرة الطيران"، لأن الفكرة تعرضت لعدوان صارخ يتعدى ما تعرضت له نيويورك وواشنطن ويتعداه بكثير.
أضفت أنني أعرف "ولا أوافق" أنه حدث من قبل أن "عربا" و"غير عرب" خطفوا طائرات، واحتجزوا من ركابها رهائن في مقابل طلبات أعلنوها، وكان ذلك خطراً على الطيران، لكن الخطر كان محصوراً.
وأما هذه المرة، فإن أربع طائرات فيها مئات من الركاب وقع خطفها، ثم قرر الخاطفون تحويلها بما فيها الركاب من البشر ـ رجالاً ونساءً وأطفالاً ـ إلى قذائف من النار، وهنا فإن الخطر غير محصور. بمعنى أن الخطب واحتجاز الرهائن وتقديم الطلبات كان خطرا على الطائرات، وأما الذي جرى فوق نيويورك وواشنطن، فقد أصاب فكرة الطيران في القلب.
وعندها فإن "الإرهاب" جاوز فلسفته التي يتعلل بها، فلم يعد "الإرهاب" شخصاً مستعداً للتضحية بحياته فداءً لمعتقداته، وإنما أصبح "جريمة" تضحي بحياة أخرين لا شأن لهم بمعتقداته ولا بحياته!
 


طباعة

<جديد قسم < ركــــن الـمـقـالات

ماذا أقول
ســقـوط خـرافــة الاسـتـقـرار
هيكل: مبارك يعاند التاريخ
هيكل: نحن بحاجة إلى إعادة بناء الدولة
أقباط مصر ليسوا أقلية وإنما جزء من الكتلة الحضارية للشعب المصرى
محمد رضا بهلوى: عرش الطاووس.. وكل الدروس المنسية!
المقال السادس» عهد التفويض المفتوح لأي رئيس في مصر
«المقال الخامس» العالم الذي نعيش فيه وقواه - وصراعاته!
الرهان على مبارك


التعليقات : 0 تعليق
« إضافة تعليق المقالة »

...
...

...

القائمة الرئيسية

خدمات ومعلومات

الحقوق محفوظة لموقع محبي الأستاذ هيكل